محظورون وإصلاحيون .. يا للهول!

نشر 02 أكتوبر 2010 | 10:33

الإصلاحيون في الجامعات المصرية لم يعودوا مختلفين في نظر الأجهزة الأمنية عن المتطرفين والإرهابيين ، ولذلك استحقوا أن يلاحقوا ويعتقلوا وينذروا بالفصل والتأديب جراء اقترافهم تلك «الجريمة». هذه ليست خيالات أو افتراضات، لأن أخبار الملاحقات وإنذارات الفصل نشرتها صحف الأسبوع الماضي، وكأنها ضمن «الأنشطة» التي مورست في مختلف الجامعات بعد افتتاح العام الدراسي.

 

صحيح أن كلمة إصلاحي في مفهومها اللغوي وحتى الاصطلاحي، محملة بمعان إيجابية لا توصل أي إنسان إلى السجن ولا تعرضه لأي عسف أو إيذاء. فالصلاح في القاموس المحيط نقيض الفساد، وهو سلوك طريق الهدى، وقيل هو استقامة الحال على ما يدعو إليه العقل والشرع، لكن المصطلح أصبحت له معان سلبية أخرى في الوقت الراهن، رغم أن الصحف كانت قد أطلقت شائعات يوما ما عن إصلاح سياسي في مصر، وتحدث البعض عن تيار إصلاحي داخل الحزب الحاكم، لكن الذين تداولوا المصطلح آنذاك كانوا يعلمون أن الإصلاح السياسي كان مجرد فرقعة إعلامية أريد بها تجميل النظام في مرحلة معينة، وتسويغ تمرير التعديلات الدستورية التي أعادت مصر إلى الوراء عدة سنوات، بإطلاق يد الأجهزة الأمنية في احتجاز الناشطين ومراقبة هواتفهم إلى جانب التوسع في المحاكم العسكرية، كما أجازت محاكمة المدنيين أمامها. وتكفلت بتضييق الترشح لرئاسة الجمهورية، بحيث يظل ذلك مقصورا على مرشح الحزب الوطني الذي هو بالمصادفة البحتة إما الرئيس مبارك أو ابنه.

 

إن شئت فقل إن هدف الإصلاح السياسي الذي جرى تسويقه آنذاك كان تثبيت الوضع الراهن وتأبيده، لكن الأمر اختلف حين تشكلت هذا العام الجمعية الوطنية المصرية للتغيير، التي أدركت منذ اللحظة الأولى أن الإصلاح الحقيقي على النقيض تماما من الشعارات والإجراءات التي رفعها الحزب الحاكم، وحين تبين لبعض الشباب أنه لا سبيل إلى تحقيق الإصلاح إلا بتغيير ما هو قائم بدلا من تأبيده، تحول مفهوم المصطلح من الإيجاب إلى السلب، وأصبحت الدعوة إلى الإصلاح شبهة تصنف أصحابها ضمن المتطرفين الإرهابيين الساعين إلى الإساءة لسمعة البلد وتكدير الأمن العام.

 

حسب التقارير التي نشرتها الصحف المصرية، فإن جريرة الطلاب الذين لاحقتهم الأجهزة الأمنية لم تكن فقط أنهم اعتبروا أنفسهم إصلاحيين داعين إلى التغيير، ولكن أن عددا غير قليل منهم كانوا من الإخوان المسلمين، الأمر الذي يعني أنهم محظورون رفعوا شعارا محظورا، وهو ما جعل تهمتهم مضاعفة، ووفر «ظرفا مشددا» للجرم الذي اقترفوه.

 

في عام 1948 حين حاول بعض الوطنيين في اليمن الانقلاب على طغيان الإمام يحيى، وأعلنوا وقتذاك أنهم يطالبون بوضع دستور للبلاد، ولكن أبواق الإمام وبطانته أشاعوا أن مطلبهم يعني رفض الاحتكام إلى كتاب الله وتطبيق شريعته، الأمر الذي أغضب العوام، وهيج الرأي العام ضدهم، وبسبب تلك التعبئة أصبحت الدعوة إلى الدستور تهمة وسبةَّ، وحين كان يساق أولئك النفر من الوطنيين إلى المحاكمة كان الناس يوجهون إليهم الإهانات، باعتبار أنهم «مدَّسترين»، بما يعني أنهم من المارقين الضالين.

 

ليس جديدا هذا اللعب بالمصطلحات، فكلمة الإرهاب كانت في بداية الثورة الفرنسية (أواخر القرن الثامن عشر) عنوانا إيجابيا مسكونا بقيمة الدفاع عن الثورة ضد أعدائها، لكن الكلمة ذاتها أصبحت لاحقا عنوانا على الانقضاض على المجتمع وترويع أهله، وهو ما يعنى أن المفهوم الاصطلاحي للكلمة يمكن أن ينصرف إلى الشيء ونقيضه، إذا كان الطرف الذي يستخدمه يملك من أسباب القوة ما يمكنه من فرض المعنى الذي يريده، سلبا كان أم إيجابا.

 

إن الأجهزة الأمنية التي تلتزم بتوجيهات السياسة ومقاصدها لم تعد تكتفي بالتحكم في حريات الناس ومصائرهم، ولكنها أصبحت تتحكم أيضا في غسيل أدمغتهم وفي اللغة التي تتداولها ألسنتهم.