عبث الصغار

نشر 02 أكتوبر 2010 | 10:22

يدعي الكثير التواضع فيسارعون بالقول (أعوذ بالله من أنا ) بمجرد أن تأتي (أنا)على لسانه وهو يتحدث عن نفسه، وبتقصي بعض سلوكياته ، ونبرات صوته ، أو مرات نزوله عن رأيه إلى رأي مخالفيه (وأقول مخالفيه بالجمع ) تجده انتفض كمن لسعته عقرب ، أو من سبقه قبطي لا وزن له (في نظره) ولا مكان ..فسرعان ما يشق كرباجه طبقات الجو لينزل على قفا القبطي مصحوباً بصرخة (أتسبق إبن الأكرمين!؟).

 

ولكن بلا عمر،رضي الله عنه، وتراه كنسمة ربيعية ذات مساء إذا ما رأى كل من حوله يهزون رؤوسهم له طربا،ً حتى وإن قال هجراً أو نطق كفراً، تعلو شفتيه ابتسامة متواضعة ، مردداً أستغفر الله في تواضع جليل إذا ما مدح هجره مادح،أو تأول كفره متأول ، مما يزيده غروراً وصلفاً،و جرأة في تسخيف الآخرين وهو في مأمن من هزة رأس رافضه ، أو حركة لسان ب(لا)، ويصبح الرأى ما يرى ، والحكم ما حكم..

 

وأما الباقون فأصفار لا وزن لهم ولا قوة ولا تأثير ..وفي رحلة الحياة رأيت الكثير من هذا الصنف ، صغاراً و كباراً ، رأيت بعضهم يقود مظاهره لأول مرة وقد غطى وجهه بجوارب سيدة ،فنجح في إخراج التلاميذ من مدارسهم ،وساروا من خلفه وهم يرددون:(بالروح بالدم نفديك يا ...) وعند أول زقاق يتسللون لواذاً، وإن هي إلى ثلاثة أزقة أو أربعة فإنه لا يبقى أحدٌ إلا القائد والجورب على وجهه ، ليتكرر الفعل ،الذي يكون في الغالب مبنياً لمجهول، ويتكرر الفاعل الذي غالباً ما يكون نائباً عن الفاعل الحقيقي !!و رأيتهم كباراً، سواءً في قصص التاريخ السحيق، أو فيمن عايشت من أحداث.

 

فمن قصص الغابرين وقفت طويلاً عند نيرون الذي أحرق روما بغروره وصلفه ، وعند جنكيزخان وتيمورلنك وهولاكو تلك السلسلة النكدة، التي جرت بسيوفهم دماء الأبرياء أنهاراً ،ووقفت عند الزعامات العربية منذ أن تسلل إلى قلبي الوعي قبل خمسين سنة ، فما رأيت واحداً رأى لشعبه فضلاً إلا النادر، والنادر لأحكم له، فملؤوا الدنيا صخباً وديمقراطية وحرية واعتزازاً بشعوبهم أمام الميكروفات، وأما في واقع الأمر فحياة شعوبهم دون حياة الديدان أو القوارض ، سجونهم ملأى بالأحرار ،وكرابيجهم تقطر من ظهورهم دماً ..مما أحدث واقعاً لا يخفى على أعمى ، ولم تكن البداية إلا هزة رأس (استحساناً) لفعل أو قول صدر عن رأس مغطى بجورب سيدة !!!ولقد عبر عن ذلك إيليا أبو ماضي شعراً :

 

(نسي الطين ساعة.. أنه طين حقير..فصال تيهاً وعربد)

 

ولم يجد من يذكره بحقارة شأنه إذا ما حقر من حوله ،واستسخف آراءهم، وهنا تقع الكارثة؛ ذلك لأن (رأي الجماعة لا تشقى البلاد به... رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها )

 

وفي تلك الحال تكون امرأة ذات جورب في قدمها أجلُّ وأعلى شأناً من شأنه، بعد أن رضي أن يضع رأسه في جورب سيدة من صنف تلك التي قالت: (يا أيها الملأ افتوني في امري ما كنت قاطعة حتى تشهدون) فنجحت في تجنيب قومها هلاكاً محققاً إذا ركبوا رؤوسهم ، وهم الذين قالوا (نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد ، والأمر إليك فأنظري ماذا تأمرين ) والفرق في الحالين ؛ أن الأول قد اتخذ قرارا،ً ثم نفذه دون الرجوع لغيره ، ولا يقبل منهم إلا أن يهزوا رؤوسهم رضاً واستحساناً وإذعاناً ، وقلوبهم تلعنه، ولا شك أنهم يتربصون به الدوائر.

 

وأما الثانية فرجعت فاستشارت وأشارت، فكانوا لها عوناً وسنداً وسياجاً،ولا شك أن مثل الأول هو مثل نيرون الذي قاده غروره وصلفه إلى أن يحرق روما ، أو تيمورلنك الذي هلك وجيشه في عين جالوت ، ولم يغن عنه رئيس أركانه (كتبغا) الذي وضع سيف الدين قطز حداً لوجوده بعد أن فلق هامته، وفي زماننا مثل أولئك الذين أحلوا قومهم دار البوار؛من أصحاب جلالة وفخامة وسمو وسيادة !!ولن أمل من تكرار: إن البداية كانت مظاهرة قادها صغير وضع رأسه في جورب سيده ..

 

وقد يكون هذا الجورب غرفة حبس نفسه فيها، حتى إذا ذهب الخوف خرج إلى قومه منتفخ الصدر والرأس، يتبختر كما الطاوس ...لايرى فضيلة لأحد ،ولا رأي !!وقد دفعت به التيارات لأن يكون مديراً أو عميداً أو كابتن فريق، ولكن بلا زاد ولا راحلة ! فكيف له أن يوقر الرواحل؟! فإنه لا شك سيهلكهم بتواضعه الأرعن المزيف، ويهلك نفسه بغروره وصلفه و ضعفه ، فيخرج من قلوب الآخرين خروج العلة من جسد المعلول ، وإذا ما حان وقت الصدام ، وهو لا شك آت، استقوى بغيره ، الذي لم تنكشف له حقيقة أمره بعد؛ مما يضع الآخرين أمام أنفسهم؛ فإما أن يكونوا رجالاً، فيقفوا عند حدود (لا) يقولونها لمن في رأسه الجورب اللعين ، وأمام من يستقوي بهم بلا شطط ولا تهاون ولا استهانة ، ولكن بصدق وأمانة، وإما أن يركنوا إلى الذين ظلموا !! وهنا -لا شك- ستمسهم النار ، وبذا فإنه يكون لكرباج إبن الأكرمين الحق في أن يسوط ظهورهم ..وأن يقودهم من وضع رأسه في جورب سيدة، كما هو حال عميدٍ في إحدى جامعاتنا!!