يكاد المجتمع الفلسطيني أن يكون في حالة من الاتفاق والإجماع على قضية واحدة دون غيرها من القضايا وهي ( القـــــدس )، فهي الأهم ولا يستطيع كائناً من كان أن يتلاعب بها؛ فهي ميزان الشرف والانتماء وغاية الثورات، دونها تهون كل القضايا وتسيل من أجلها الدماء وتفيض الأرواح، كما أن الشعب الفلسطيني لا يرى فيمن يفرط فيها إلا خائناً لهذه القضية ولدينه وعرضه خيانة عظمى، تتقزّم دونها خيانة الجواسيس وأفعال أحقر اللصوص، هو الشعور الذي سكن ضمير الفلسطيني منذ نزول القرآن ولا يزال يتجدد، هي مثوى الفاتحين من صحابة رسول الله –صلى الله عليه و سلم - و فيها درج المسيح، ومنها عُرج بالنبي الأكرم، وإليها يحج يهود.
فالقدس هي الأرض الطهور التي دفعت الفلسطيني - بإباء وشمم - أن يقذف وجه شارون بكل أحذية الراكعين الساجدين يوم أن دفعته حماقته لأن يدنس ثراها، وما تحتضن -على صعيده- من مسجد له المكانة الأسمى بعد الكعبة والحرم المدني ، وفي المقابل فإن ما يُجمع عليه الفلسطينيون هو ما يُجمع عليه اليهود في الاتجاه المضاد، فلا يمر يوم إلا ويُحدّث فيه يهود أنفسهم بطرد المسلمين والمسيحيين منها؛ لتكون لهم خالصة من دون الناس، ولهذا فقد وظَّـفوا كل مكرهم وكيدهم ومؤامراتهم من أجل أن يملكوا كل شبر فيها، ويُنشئوا عليه مستوطنة؛ فأحاطوها بترسانة هائلة من المدن التي – في ظنهم – أمست سياجاً واقياً يحول دون عودة القدس لأصحابها، ويفرضونها أمراً واقعاً معتمدين على التهاون العربي في نصرتها ، واستعداداً للتفريط فيها من قِبل عباس الذي يرى في التصدي لشارون بالحذاء الفلسطيني أول خطوات تدمير القضية.
فعَمَد إلى محاربة كل حذاء وكل حجر وصولا إلى كل سكينٍ أو رصاصة تذود الطغاة المجرمين عن القدس، ومع ذلك فإن الفلسطيني لم يتوقف أبداً عن أن يقدم الدم والروح رخيصة من أجلها، فما أن تهب رياح المستوطنين الدنِسة وهجماتهم الخنزيرية عليها حتى تهب جموع الفلسطينيين لتذود عنها، حتى أؤلئك الذين ظن يهود أنهم قد استكانوا للقانون الإسرائيلي، وتهيبوا السياسة القمعية لأجهزة ذلك الكيان اللعين، فيتقدمون زحوفاً مرددين ( القدس في خطر) ذلك الشعار الذي جهر به شيخ القدس وحارسها رائـد صلاح، مما أيقظ مكر يهود ليقتلوه وعندما عجزوا رموا به في غياهب السجون، ولكن الانتماء للقدس المستكن في ضمير ذراري الفلسطينيين حتى الأجنة يدفع إلى الميدان كل ساعة ألف رائد؛ ولهذا لجأ يهود إلى المكر والدهاء بهدف تقويض القدس ودرّتها الأقصــى؛ فأخذوا يُعملون فؤوسهم ليحفروا الأنفاق والخنادق تحت قوائمه.
ثم حقنه بأشد الأحماض تركيزاً لتذويب صخوره، كما عمدوا إلى تسيير فجورهم وعريِّهم ومخازيهم ليعيثوا في باحاته فساداً و إفساداً دون أن يرف للساسة العرب جفن ولا تختلج لهم خلية، برغم ما يطبلون ويزمرون ويغنون وينظمون المهرجانات ويشكلون اللجان ترأسها لجنة يرأسها ملك ، ولكن يصدق فيهم قول القائل: أسمع جعجعة ولا أرى طِحناً، ليظل الفلسطيني وحده أعزل إلا من الانتماء إلى القدس، مما أغرى اليهود بتكريس مكرهم وكيدهم؛ فرصدوا المليارات لشراء أراضيها وما يحيط بالأقصى ليكون كل متر مربع أغلى متر مربع في الكون في حين أن صندوق القدس لا يزال فارغاً إلا من الوعود الكاذبة والقرارات التي لا تساوي ما كُتبت به من حبر، وكما هي طبائع البشر فإن منهم من يخون فيبيع دون وازع من ضمير أو خلق؛ متذرعاً بالمضايقات والتجويع والحصار، وبأذى المستوطنين له ولأهله، وقلة ذات اليد، وانفضاض النصير والداعم وهذا واقع، ولكن لا يبرر كل ذلك التفريط ، ولكن الأغلب الأعم هم من الذين يؤثرون الموت تحت أنقاض بيوتهم إذا ما أقدمت جرافات المجرمين على اقتلاعها حتى وإن سمعوا ورأوا من عباس ما يلصق بهم تهمة التدمير والتهور وإعاقة مسيرة السلام.
تمر ذكرى انتفاضة الشعب الفلسطيني في وجه شارون وهم أشد تشبثاً بالقدس ؛ فقد كبُر الصغار، وكبُر فيهم اليقين بأن القدس لهم، وازداد شعبنا وعياً بأن المؤامرة أضخم و لذا لابد أن يكون الإعداد والاستعداد في حجم المؤامرة أو يزيد ، كما يزداد اليهود صلفاً ووقاحة و عدواناً بما سيؤدي إلى فشل تلك المفاوضات السرابية اللعينة التي ستدفع الحريصين عليها إلى مزبلة التاريخ ، وليس أدل على ذلك من الخطاب الذي سمعته الدنيا على ألسنة عناصر من فتح تتوعد الاحتلال و المفرطين ببركان من الغضب يوشك على الانفجار ، هي حقيقة التاريخ التي لا يجادل فيها إلا كل خوان حقير.