استأنفت حركات المستوطنين عمليات البناء والاستيطان في احتفالات اليهود في عيد (العرش). شرارة البدء انطلقت في جو احتفالي مفعم بالتحدي . فمن يتحدى المستوطنين في هجمتهم الاستيطانية في اليوم التالي لـ (26/9/2010) ؟ بعض المهتمين يرى فيه تحدياً شاملاً لمشروع المفاوضات باعتبار أن الحكومة تتفاوض على أرض (إسرائيل) بزعمهم ، وهؤلاء يرفضون القول بأنه تحد لنتنياهو باعتبار أن نتنياهو يؤمن بما يؤمن به المستوطنون ، ولكنه يختلف عنهم في عملية إدارة الصراع ، وعدم كسر التوازنات الإقليمية والدولية التي من شأنها أن تضع (إسرائيل) في مأزق.
من يتحدى المستوطنون؟ سؤال لا تعنيني الإجابة عليه ، لأن الإجابة لا تقدم ولا تؤخر ، والقيمة والاعتبار للوقائع على الأرض ، حيث تذكر الصورة والمعلومات ومن خلال الشاشات المختلفة أن هجمة جديدة للاستيطان بدأت ، سواء أكان التحدي لنتنياهو ، أو لأوباما ، أو لعباس والفلسطينيين ، وهذه أمور يجدر ألا تشغلنا ، وأن ننشغل بقرارنا الفلسطيني وموقفنا الفلسطيني.
إنني أشاطر الرأي كل من يقول إن قضيتنا ليست تجميد الاستيطان ، وإنما مشكلتنا مع الاستيطان نفسه ، ومع مشروعيته ، ومع أنفسنا كيف نتفاوض على استيطان دولة واستيطان جماعات ، واستيطان قانوني واستيطان عشوائي ، استيطان في القدس واستيطان في الضفة ورغم هذه المشاطرة في جوهر المشكلة التي قفز عنها المفاوض الفلسطيني ، حيث أخذ يلمس الاستيطان من أطرافه وليس من مفاصله وجوهره ، إلا أني أقول: إن المفاوض ، أو قل عباس مباشرة يقف عاجزاً عن اتخاذ قرار هو بلوره وملأ الساحة الإعلامية به ، وهو الانسحاب من المفاوضات إذا واصلت (إسرائيل) الاستيطان .
ها هي (إسرائيل) ، الحكومة ، والمستوطنين ، يواصلون الاستيطان فأين القرار الفلسطيني ؟! كل الفصائل ، ومؤسسات المجتمع المدني ، وأغلبية الشعب في الداخل وفي الخارج ، ومعظم الحركة الأسيرة ، وبعض قادة من فتح يوافقون على قرار الانسحاب من المفاوضات ، فأين القرار ؟! ولماذا يتردد عباس ؟؟
والأهم من ذلك لماذا يتخلى عن مسؤولياته ، ويلغي في الوقت نفسه مسؤولية فلسطين (الفصائل، والمؤسسات، والشعب) في اتخاذ القرار، ويذهب إلى اللجنة العربية، والجامعة العربية ؟ والأصل أن تتخذ فلسطين قراراً فلسطينياً واضحاً ثم تذهب لتسويقه وجلب الدعم له عربياً وإقليماً ودولياً ، أما أن يتخذ وزراء الخارجية في 4/10/2010م القرار ثم يتبعهم الفلسطينيون فهذا أمر هو عكس المنطق ، ولا سيما أن وزراء الخارجية أعادوا الكرة إلى فلسطين في الجولة السابقة عند مناقشة جولة استئناف المفاوضات المباشرة.
إنه لا تفسير عندي لموقف عباس إلا القول إنه لا يملك إرادة اتخاذ قرار الانسحاب والإعلان عن الفشل ، وأنه لا شجاعة عنده في مواجهة التداعيات المالية للقرار ، وهو على مستواه الشخصي لا يريد أن يفقد صفة (الشريك) خشية الاعتبارات المؤلمة التي عليه أن يواجهها شخصياً ، لذا هو قد يذهب إلى العرب لا لكي يسندوا قرار الانسحاب ، وإنما ليغطوا قرار الاستمرار بصيغة تنقذ الموقف .
إنه من عيوب الحالة الراهنة فلسطينياً هي غياب القرار الفلسطيني ، وغياب المسؤولية ، أو إرادة تحمل المسؤولية ، والاستمرار في الدائرة الفارغة بعد ستة عشر عاماً من العقم والتردد في إدارة الصراع وتحمل التبعات كما تحملها السابقون ممن صدقوا الله ، وصدقوا مع شعوبهم.