القرار الذي اتخذته الجبهة الشعبية لاشك أنه مهم لأكثر من سبب:
الأول: إن الجبهة فصيل مهم، بل تعود المراقبون على وصفها بالفصيل الثاني في م.ت.ف من حيث الامتداد الجماهيري, والفعل الثوري, ومن حيث عدد ممثليها في مؤسسات المنظمة ودوائرها, وبتأثيرها على أي قرار يصدر عن المنظمة؛ إيجابا أو سلبا.
الثاني: دأب عباس على الإعلان عن أن الذي يفاوض الصهاينة هي م.ت.ف لا سلطته ولا فتح, معتمداً في المقام الأول على أعضاء فتح، ثم الجبهة, ولا يبالي بمعارضة الجبهة لقراراته ولا بموافقتها ما دام أعضاؤها يستظلون بنفس السقف الذي يستظل به،طالما أن الإعلام الصادق في غيبوبة، والديمقراطية الحقة في غرفة الإنعاش الأمريكية الإسرائيلية, ويستطيع عباس أن يزعم أن أهواءه قد جاءت على موافقة بالأغلبية, حتى وإن عارض الغالبية العظمى بالمستظلين بسقف م.ت.ف ،كما جرى في ذهابه إلى المفاوضات المباشرة رغم موافقة خمسة أعضاء فقط من أصل ثمانية عشر ؛هم جميع أعضاء اللجنة التنفيذية, وأعلن أن الأغلبية قد وافقت وهو ما لفت حوله و دارت بطانته، وفي مقدمتهم ياسر عبد ربه أمين عام اللجنة التنفيذية، رغم ما يعلمه أطفال فلسطين انه لا يمثل إلا نفسه، ورضي بصوته أن يكون صدىً لصوت عباس, ولكن حال تعليق الجبهة لعضويتها فلا يستطيع عباس أن يزعم موافقتها ،ولا تأييدها لأفاعيله.
الثالث: لم تخرج الجبهة الشعبية منذ انطلاقتها سنة 67 عن دائرة الفعل المقاوم, بل وفقدت أمينها العام (أبو علي مصطفى) بعد أن قصفه الصهاينة؛ فردت الجبهة على ذلك بعملية متميزة فريدة وغير مسبوقة، فأعدمت المجرم الفاشي الصهيوني فيلسوف الترانسفير الوزير؛ رحبعام زئيفي، الذي جمع كل عناصر التطرف و العنصرية في قلبه الحقود ضد الوجود الفلسطيني بين البشر؛ مما أغاظ اليهود فاعتقلوا أمينها العام؛ خليفة أبو علي (أحمد سعدات) في عملية كان للسلطة أصابع مشبوهة فيها، ورغم ذلك فإن الجبهة الشعبية لم تترك ميثاقها وظلت امينة على نهجها, وتعاليم (الحكيم).
الرابع: ظلت الجبهة في اشتباك حقيقي مع المشروع الصهيوني ؛الاقتصادي والاستيطاني, والتاريخي, والفكري, وبذا فإن أسراها في السجون الإسرائيلية في ازدياد، ولا تزال أصابع زملائهم من كتائب أبو علي مصطفى على الزناد، بل وطوروا استعدادهم للمواجهة.
وفي جانب آخر فإن هذا التعليق يملي على الجبهة ما يلي:
1. أن تصلب جدار الصد مع حماس والجهاد في فعل مشترك ومنسق في مواجهة هذا الانهيار المتمثل في التهافت الشنيع الذي تبديه مجموعة التفاوض بقيادة عباس.
2. تفعيل دور أعضائها في المجلس التشريعي؛ إذ لا يقبل من الجبهة أن تظل خارج أعتابه وقاعاته، بعيدة عن المشاركة في صناعة قراراته وتشريعاته , كما لا يقبل منها السكوت على تغول أجهزة أمن عباس على أعضائه من كتلة التغيير والإصلاح، مع تقديري لكثير من المواقف التي اتخذتها خالدة جرار وزملاؤها في مواجهة السياسة القمعية التعسفية لتلك الأجهزة.
3. على الجبهة الشعبية أن تعزز موقفها مع كل الداعين إلى إعادة بناء م.ت.ف على أسس ديمقراطية سليمة، فلا يقبل منها أن تظل على هامشها وترضى بسياسة التفرد والإقصاء التي مارستها فتح على مدى ما يناهز الأربعة عقود، خاصة بعد أن أثبتت الوقائع فشل السياسة التي سلكتها المنظمة من بعد مدريد وإلى اليوم, وكانت الجبهة الشعبية في موقف المعارضة ولكن غير الفاعلة، الأمر الذي أغرى فتح (عباس) بمزيد من التهور والرضوخ للسياسة الأمريكية الإسرائيلية.
4. ينبغي أن تتخلص الجبهة من الهاجس الذي سكن صدرها بعد خروجها الأول من م.ت.ف فوجدت نفسها عزلاء بلا مؤيد أو داعم أمام تكتيكات عرفات التي اضطرت الجبهة إلى الرجوع بعد أن حبس مستحقاتها في الصندوق القومي الفلسطيني وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي, فعليها أن تجد موارد أخرى وأصدقاء جدداً، وأن تعيد النظر في تحالفاتها لتأكيد استقلاليتها وشخصيتها بعيدا عن هيمنة المال المسيس الآتي من يد العم سام، أو من أيدي حاخامات الأيباك، التي تتناسب طرديا مع مدى الانصياع لرغبات الصهاينة ومشروعهم الاستيطاني.
5. وينبغي أن تكون الجبهة سندا للمطالب العادلة لحماس (على وجه الخصوص) فيما ستعرضه عليها من شروط لنجاح المصالحة، وإجراء عملية انتخابات نزيهة، تضمن عدم تزويرها لقطع الطريق أمام الوصوليين والانتهازيين والمتصهينين للوصول إلى موقع صناعة القرار.
6. تعزيز موقف المنادين بتشكيل أجهزة أمنية وفق برنامج وطني (لا فصائلي) تتولى حماية الوطن والمواطن.
وأخيراً أتمنى للجبهة أن تكون رافداً قوياً للعمل الوطني الخلاق.