سعيد عرار ... كلمات منبره "مقاتلة "

نشر 26 سبتمبر 2010 | 08:16

المجاهد الأسير سعيد عرار ... ما يميزه صفاء وجه أحلى من قمر... وجمال خلق أندى من الرذاذ قبل المطر ... يسحرك كلامه كأنه نشيد الروح ... وغريب عيونه نثر الحب الذي يوزعه على إخوانه ساعة التعب.

 

حالم يلزم ذاته الفعل الذي أراد فيه للحزن الرحيل من بيوت الأسرى، ليكون بغية ذلك قائداً قسامياً غادر باكراً حياة المرح وركب صهوة الخيل مجاهداً.

 

في فهمه للفعل ترجل عن عرش الوعظ والمنابر ليقود الكلمات الحية الفاعلة ، كأنه أراد اختصار المسافة بين القدوة اللفظية التي يتقنها جميع الدعاة في هذا الزمان إلى فعل يوقظ الكلمات النائمة الميتة .

 

في رسم سجيته حبيب وحدوي جامع .. كأنه إيقاع نشيد يأخذك إلى الذات التي تعشق الفرح ليكون من غير منازع نموذجاً تعشقه ريشة الفنان الذي ينتقي رسم الدرر المكونة لتجميل ليلة الفرح .

 

في السجن هناك نلمحهم ، جمع كبير يتقافزون و في عيونهم ألف رواية لميلاد أمة قريب ، في العيش معهم تدرك أن مالك السماء ديان الملكوت منجز لهم رجاء الخلاص لأنهم وحي الإيمان على الأرض .

 

أبو بكر ومؤبده وعيش الزنازين القاتمة حكاية نعيشها اليوم معه في سطور .

 

صبر مؤمن وطبيب قلوب

دائم الضحك حتى مع الوجع، واعظ يطوف بين مساكن الأسرى، لا يأبه لقسوة الحياة برغم عيشه المؤبد مع شقيقه عبد الله الذي يتقاسم معه الوجع .

 

سألتهم مرة : لماذا كنتم في الجهاد معاً ؟ ردوا ببسمة ... "هذه عبادة لله لا نفترق فيها" قلت وجعها كبير على الأهل .. "قالوا وجع الدنيا عبادة ، و رضا الله أعظم" .

 

أما في الحديث عن تبادل الأسرى ومن سيكون له نصيب الفرج ، كان كل واحد منهم يقدم شقيقه ويختلق بذلك ما يبرر رأيه ؛ يعيشون حالة الإيثار في تحمل الوجع والظلم وقتامة العنابر .

 

عجيبه المنفرد أن له بصمة في كل الوجوه التي يعيش معها ... يمتهن الحلاقة في السجن ، والتي يصعب التعايش معها هناك ، لأنها تفتح مع كل جالس أمام المرآة وجع الأيام التي طوتها من غير أمل .

 

الحلاق وحده الذي يقف مع مقصه مجملاً تجاعيد الأيام القاسية ، ومغيباً بأنامله لوحة الشيب العابرة إلى الحقيقة .

 

كناه الأسرى أبو عصام تيمناً بمسلسل باب الحارة، حيث كان يطوف الزنازين موزعاً للأدوية وشارحاً سرها الذي لا يعرف.

 

زوجه مدرسة عطاء وغمامة خير

في زيارتي لهم وجدتها تعيش و أولادها الثلاثة .. تعلم وتربي تجتهد الصبر مع أم زوجها ، وسلفتها التي تعيش المحنة ذاتها .. تديم الذكر لله والدعاء .. صمتها أبلغ من حديث شاعر يطمح البيان، في زيارتنا حدثتنا عن متواتر الأحلام التي ترى فيها زوجها خارج المعتقل.

 

في أوراقها تقول فيه شعراً، تسميه الحنون، تذكر له المواقف الجميلة التي لا يعكرها عتب الارتحال والفراق.

 

تتبع في كل كلماتها الرضا و تضيف لحديثها لوحة ترسمها لشوق حين قالت : يسرقون منا الأزواج فيزيد الحب.. يحاولون قتل الأمل فنتعبده لله وما نجزع ..لن نهجرهم والله ولو كان العمر كله.

 

تضيف: لا يفضلنا الرجال نعيش معهم حالة الجهاد ، فلن نسقط الراية وسيخرجون.

 

أولاده كطلع الندى وإيقاعهم أخاذ

بكر، عبد العزيز ، تقى ... مطلع قصيدة في وصف الزهر المزين صدر حورية في الجنة.

 

البسمة في وجوههم حيية يسرقها الداخل بيتهم، مرتبين كنظم عقد رصعه جمال زنبقة حملت معها سحر القمر .

 

تقى إبداع خالق كونها لتُعشق ، لا تزيد في العمر عن الأربع سنوات ، وحدها حين يشاهدها والدها تُدمع في عيونه الشوق.

 

تدوم مع الشوق لوالدها تقول : أفتقده في كل صباح حين يوصل الآباء أولادهم الروضة وأما أنا أبقى وحيده .

 

عبد العزيز الذي جاء يوم شهادة الرنتيسي تراه أسداً رغم عمره الذي لم يتجاوز الخمس سنوات يقول عن نفسه : سأكون مثل أبي مع القسام ، برغم سنه الصغير يديم حمل بندقية الأطفال ليحمي بيته من الجنود كما يقول .

 

أما بكر الشاب الصغير الذي كان صامتاً في اللقاء ، شاهدت في وجهه الحزن ، عند خروجي من بيتهم اصطحبته معي و سألته عن حاله قال ما الذي أستطيع فعله وأنا أشاهد في كل يوم مشهد بكاء في البيت لجدتي على أبي و عمي .

 

أنا لا أستطيع المساعدة ، حضنته وقلت الدعاء لله ، بكى وهو يقول يا رب ، حاولت تسكين الجرح ... لكن من يستطيع تضميده.