ثمة قرارات أممية واضحة صدرت عن الأمم المتحدة وحددت حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي أخُرجوا منها قسْراً وتعويضهم عن معاناتهم التي تعرضوا لها بعد النكبة.
ما زالت المعاناة تلّف تجمعات اللاجئين الفلسطينيين في الضفة وغزة وفي البلاد العربية أيضاً. وما زالت صورة اللاجئ الفلسطيني في لبنان تقدم نموذجاً مأساوياً لهذه المعاناة الممتدة عبر السنين الطويلة.
من تجمعات اللاجئين , ومن معاناتهم, خرجت الحركة الوطنية الفلسطينية والإسلامية المقاومة للاحتلال . لقد نصرت هذه التجمعات القادة أحمد الشقيري, وياسر عرفات, وجورج حبش, وأحمد ياسين, وغيرهم, ومازالت حتى الآن على العهد في نصرة الإسلام والقضية على أمل أن تقودهم القيادات الفلسطينية نحو حق العودة والتعويض.
لقد دفعت تجمعات اللاجئين دماً كثيراً ومالاً كثيراً من أجل أن تصل يوماً إلى العودة إلى أرض الآباء والأجداد, ولكنها اليوم تقف حائرة قلقة بعد أن ورث القيادة رجل يقال له (محمود عباس) يحمل لقب رئيس م ت ف, رئيس فتح, رئيس السلطة, شريك حكومات الاحتلال في المفاوضات, لقد أبدى هذا الرجل تفهمه لكامل الرؤية الإسرائيلية والمطالب الإسرائيلية, وأبدى استعداداً للقفز عن القرار (194) الخاص باللاجئين والعودة والتعويض في مقابل ما اسماه بلغة مناورة (حل عادل متفق عليه)؟!
لقد كشف (أولمرت) رئيس وزراء (إسرائيل) الأسبق, وهو الأكثر التقاء بعباس في القدس عن بعض ملامح الحل العادل المتفق عليه مع عباس في المفاوضات, ومما جاء في كتابه الذي سيصدر لاحقاً ما يلي:
1. لقد اتفق مع عباس على أن تستوعب (إسرائيل) (20ألفاً) من اللاجئين, بحيث يسمح لهم بالعودة إلى ديارهم, آسف ليس إلى ديارهم, وإنما إلى تخوم أراضي 1948م بآلية متدرجة قد تصل إلى عشر سنوات, على قاعدة إنسانية وجمع شمل العائلات وبهذا يمكن لعباس أن يقول إنه الرئيس الوحيد الذي أعاد اللاجئين.
2. أن تستوعب الولايات المتحدة الأميركية (100 ألف لاجئ) في بلادها بحسب آلية ونوعية يتفق عليها.
3. أن تستوعب ما تبقى من الضفة الغربية وغزة (أي فلسطين الجديدة) جزءاً كبيراً من اللاجئين يتم الاتفاق مع (إسرائيل) على أعدادهم.
4. أن تستوعب الأقطار العربية الجزء الأكبر من اللاجئين في أراضيها بحسب مشاريع التوطين التي ترعاها أميركا والأمم المتحدة.
لقد تمكنت (إسرائيل) من (عصر وامتصاص) محمود عباس والمفاوض الفلسطيني حتى تمكنت من إفراغ هذا الثابت الفلسطيني من جوهره تحت ما يسمى (حل عادل متفق عليه) . وإنه لمن المؤسف أن يتمّ التنازل عن حق اللاجئين بالعودة والتعويض, وهو جوهر المشكلة الفلسطينية بهذه السهولة وبتلك الآلية التي تحدث عنها أولمرت, دون الرجوع إلى تجمعات اللاجئين التي أنشأت الحركة الوطنية ودعمت قياداتها بالدم والمال.
إنه إذا كانت مشكلة اللاجئين معقدة , وهي كذلك, فإن تعقيداتها لا يبرر حالة الضعف والخذلان والتنازل عن الحقوق الفردية وغير قابلة التصرف, فإن ما لا نستطيعه اليوم بسبب الضعف الذاتي والخذلان العربي نستطيعه غداً ولا يجوز لنا أن نخون الله ورسوله ونخون الوطن والشعب باسم ضعفنا وقوة عدونا, واختلال موازين القوة؟!