عملاء

نشر 24 سبتمبر 2010 | 03:38

لم أفاجأ بتفصيلات المؤتمر الصحفي لوزارة الداخلية صبيحة أمس، فلقد رأيت وقرأت وسمعت العشرات منهم وعنهم من القصص طيلة فترات سجني، وحريتي، وللحق فإن أول ما قرأته عنهم كان كتاب (الضحية) الذي أصدرته الجبهة الشعبية عن العميل (مازن الفحماوي) أوائل الثمانينيات من القرن الماضي.

 

ويومها كانت مشاعري تضطرم كما لو تحولت إلى ألسنة من لهب، رغم ما كنت أسمع عن مسلكيات بعض مردة هؤلاء منذ بدء الاحتلال؛ أي أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، وقد بلغ ببعضهم – وهم أصحاب أسماء معروفة – أن يسكن وأسرته وعشيقاته في مراكز المخابرات، وتنسَج من حولهم قصص يشمئز منها الاشمئزاز!! وغالبا ما كانت تُربَط بقصص مشابهة أو قريبة لحياة آخرين من أمثالهم؛ سنوات 36 و 48و 56 و ما بينها، فيما يشكل الصراع بينها وبين المقاومة القاسم المشترك، والذي ينتهي – دائما – بانتصار المقاومة، ورغم ذلك فالمسلسل لا يتوقف؛ لعدم توقف الصهاينة عن محاولات الإسقاط بكل ما أوتوا من مغريات (المال والجنس والمخدرات) وما يتيحونه للساقطين من تحكم ونفوذ واستبداد وانتقام، كما لم يتوقف – في المقابل – التصدي لهم، حتى ليصل الحد إلى الإعدام أو التشويه أو الإعاقة، فكم من ساقط سقط صريع نزواته وخيانته !! وكم من مجاهد قد ارتقى بيد عميل أو بسببه !!

 

عرفت رفح من أول أيام الاحتلال عملاء كبار (أبو ممدوح، مصطفى الدرش، نبيل أبو خضرة) كما عرفت عميلات مارسن كل أنواع الفجور والانحطاط، ولعل أشهرهن (عطاف) التي أخذت اسماً كوديـَّاًً هو (أستير) والتي راودت المناضلين عن أنفسهم لقاء إطلاق سراحها؛ فكان ردهم أن مثلوا بجسدها وعلى رؤوس الأشهاد؛ لبشاعة جرائمها وفداحة ما أضرت بمن وقعوا في شراكها وغوايتها و قد سبقتها إلى هذا المنزلق (غصون) سنة 56 والتي كان يلذ لها أن تضرب (بالخيزرانة) شاباً تنتقيه من بين آلاف من في السوق وأمامهم، بينما تحرسها بنادق اليهود!!!!!

 

ولقد برع شعبنا في تتبع هؤلاء وملاحقتهم، وغالباً ما كان ينجح الشرفاء في حل طلاسم (هؤلاء) والوصول إلى أدق أسرارهم، وأحصن أوكارهم، ثم القضاء على شبكاتهم، ولكن سرعان ما تفقس ديدان وتتكاثر جراثيم في مستنقعات الصهاينة؛ تبعاً لسنة كونية تتمثل في ديمومة الصراع بين ثنائية الظلمات والنور، والفساد والشرف، والنجاسة والنقاء؛ أي بين الباطل والحق، أو بين السياف وأعناق الأحرار!! ولقد كان لبعض ممارسات (هؤلاء) ما يوقف القلب عن الخفقان.

 

وقد يودي بحياة ذي القلب الطهور الرقيق، كذاك الذي تسبب في إسقاط أمه في حمأة الرذيلة و الدعارة، ثم ربطها بـ (الشين- بيت) وكان يراها - وهو في منتهى السعادة- و هي تمارس الفجور مع أحد ضباط ( الشين) وما أن يفرغ ذاك الحقير حتى يأتي عليه الدور؛ فيفحش بها في فعل جماعي تعف عنه الكلاب و الخنازير، و ذاك الذي نجح في إسقاط فريق من مراهقي عائلته، وأبنائه وأبناء عمومته وبناتهم.

 

وتلك التي ........ و هاتيك التي ..... في تفاصيل تصيب بالهذيان والهوس مَن يستمع لاعترافاتهم وبشاعتها، فيخرج مِن كل جولة فاقد الشهية للطعام والكلام، وقد استعصى عليه النوم؛ فتمر الساعات الطوال وهو يتقلب على فراش مشتعل بنيران القلق والخوف على مستقبل أولاده وزوجته وذويه؛ خاصة إذا كان رهينة في أيدي الصهاينة، وتمر عليه السنوات وهو مكبل بالأصفاد، محاط بالأسلاك، أو قضبان الزنازين، أو أقبية التحقيق...

 

وإذا ما أتيحت له فرصة ليبعث برسالة لأهله فلا يعرف كيف يكتب الأشواق ولا التعبير عنها، ولا عن ذكرياته التي كانت سعيدة أيام الحرية؛ بقدر ما يُضمِّنها قلقه وخوفه وتحذيراته (وهوسه الأمني) ... إياك يا فلان.. وإياك يا فلانة، بما تتفطر له القلوب والأكباد؛ حتى ليظن الابن أو البنت أن أباهم لا يثق بهم!!

 

قرأت سطراً لسجين يقول لزوجته: لو أن جنازتي تخرج من البيت أو تمر به فلا تخرج ابنتي (13 سنة) لتلقي عليها نظرة وداع؛ خشية أن يراها عميل فيُعد لها مكيدة الإسقاط !!

 

سمعت أحد العملاء وهو يقول: كنت أتعب عقلي في التفكير في كيف أبدع من حيل الإسقاط ما أحصل بها على ثناء ضابط المخابرات، فأشعر بنشوة وزهو، ولا يعنيني أن آخذ أغورة!! و كانت تكفيني قبلة(ساخنة) من مجندة بعينها كنت أعشقها، وكانت سببا في إسقاطي، ثم أخذت تتمنع مني، وتسخر من نظراتي وتوسلاتي إلى درجة الصفع والبصق في وجهي ... ولا (تحن) عليّ إلا بعد أن تعلم أنني كنت سببا في قتل المزيد، أو قتلتهم فعلا!!

 

وسمعت من آخر أنه قتل فتاة (15 سنة) لمجرد أنها ألقت بحجر على جيب حرس حدود (مشمار- قفول) في الوقت الذي كان يحرسه؛ لابسا لباسهم، ويده على زناد سلاحهم، وعيناه تجوب المكان ... هربت الفتاة، ركض خلفها حتى أدركها، أوقعها أرضا بضربة من قدمه ووضع قدمه على عنقها وفجر رأسها برصاصة، لينال مكافأة قدرها خمسون ديناراً، مع صرخة (براااااافوووو) من صهيوني مجرم!! يأخذ الخمسين ديناراً، ويذهب بها إلى السوق ليشتري لأطفاله شنطاً وقمر الدين وحلقوم !! بما يعكس انفصاماً - فريداً- في الشخصية، فهو ساديٌّ حاقد فجر رأس فتاة، وهو أيضا أبٌ حنون مفرط في الحنان!!

 

و لعل أخطر أؤلئك الذين نجحوا في اختراق المقاومة، وهذا حديث ذو شجون؛ يملأ القلب غماً و كمداً ... قد أعود إليه، و لكن قبل أن أعود أقول: احـــــــــــذر يا شعبي؛ فإن الأمر جــــدًّ خطيـــــــر.