ليس فلسطينياً من قرأ ما صرح به نتنياهو ولا يغلي دمه, كما أنه ليس حراً أو عربياً ولا مسلماً, فبكل استخفاف بعباس وبمن وراءه, وبثقة لا حد لها يقول نتنياهو: عباس لا يمكنه التملص والالتفاف على الاعتراف بيهودية (إسرائيل) فما جعله يستخف بفلسطيني إلى هذا الحد, وهو عباس رئيس م. ت.ف, والتي اعترفت بها دولة (إسرائيل), هو شريك المفاوضات والذي استضافه نتنياهو في منزله وأخذه بالأحضان, وهو الحصان الأسود الذي تراهن عليه أمريكا و(إسرائيل) في صناعة السلام؟ فما الذي يدعوه لأن يهينه إلى هذا الحد؟ وما الذي يجعله واثقاً من نفسه إلى هذا الحد؟ هل هو المال الذي تغدق به أمريكا و(إسرائيل) عليه وعلى سلطته وحكومته, والذي يمكن نتنياهو من عنق عباس وبطانته؛ خاصة إذا استذكرنا أن سلام فياض يطلب نصف مليار دولار من المانحين!! لإنقاذ السلطة من إفلاس يتهددها؟!!
وهل المال يذل رجلاًً له تاريخ ناصع, وليس في حياته أسرار يخشى أن يفضحها نتنياهو؟ الجواب: لا ومليون لا... إذن لماذا يصمت عباس ولا يعلنها صريحة: فلتذهب المناصب في ألف داهية إن كانت سبباً في الذل والهوان... بالأمس قال عباس: لن نستمر بالتفاوض يوماً واحداً إذا استأنفت (إسرائيل) بناء المستوطنات.. دون أن يعطي سقفاً زمنياً لذلك؛ مما أغرى أمريكا أن تطلب تمديد التجميد لثلاثة أشهر فيعلن نتنياهو بإباء (لا) ويؤكدها بيريس من أعلى منصة في العالم.
ثم يجري الحديث عن تحديد أسبوعين أو ثلاثة وكأنها فتوى شيخ ضليل؛ ليخرج عباس من كفارة يمين وهو يعلم أنه غير خارج منها! ولكنه يهز برأسه علامة الرضا, وأعود إلى السؤال: ما الذي يجعل من نتنياهو يتكلم بكل هذا الاستخفاف وتلك الثقة؟ ألأن عباس قد طأطأ رأسه – بذلة- وهوان لخارطة الطريق, ولأوامر دايتون, ثم أوامر مولر؛ فهشم رأس المقاومة, ومزق لحوم المجاهدين وحطم معاصمهم بكلبشاته وأصفاده, وأوقع كل صنوف القهر وأساليب الإرهاب والقمع على صفوة رجالات الشعب الفلسطيني الذين انتخبهم, وائتمنهم على حاضره ومستقبله ومقدساته وحقوقه...
ولم يميز بين عزيز دويك وعبد الرحمن زيدان, ولا بين مريم صالح ومنى منصور ولا بين أولادهن ولا مرافقيهم.. حتى أوشك أن ينبش قبور الشهداء ليعذبهم على ما اقترفوا من جريمة المقاومة ضد المحتلين.. وبالتالي نظر إليه نتنياهو بهذه النظرة المشبعة بالاستخفاف والازدراء والاحتقار؛ فمن لا خير له في شعبه لا خير فيه – البتة- ولا صلاح... وشأنه في ذلك شأن أنطوان لحد وسعد حداد وكمال حماد... فما أن يستوفي أغراضه منهم حتى يركلهم بحذاء نجس... وكم عرفنا - في المقابل- أن المنتصرين يحترمون.
بل يجلون خصومهم الأقوياء الشرفاء ولو كانوا قد انهزموا, هذا ما قاله مونتجمري عن رومل, وهو ما كنا نراه في عيون جلاوزة الجلادين عندما يذكر اسم بطل كصلاح شحادة أو عبد العزيز الرنتيسي أو أحمد ياسين وهو ما قالوه عن عماد عقل ويحيى عياش, وهذا وما قاله الطليان عن عمر المختار وما قاله – من قبل- ريتشارد قلب الأسد عن صلاح الدين وما يقوله مؤرخو الغرب عن خالد بن الوليد... وأما (الأصدقاء) فلا احترام لهم ولا تقدير إن كانوا خونة متهافتين!! إن الثقة التي يتحدث بها نتنياهو... لا يمكن أن يكون مصدرها الفراغ والعدم... ولعل أبسطها ما يغريه بها - حتى الغرور- هذه التنازلات والتهافت الذي لا يصدر عن قائد شريف ينافح عن حقوق شعبه وقضية أمته؛ إذن ما العمل؟ هل سيعترف عباس بيهودية (إسرائيل) وهو ما نفهمه من عبارة نتنياهو الواثقة؛ فيكون كأخس من خان شعبه, ولن يتستر عليه نتنياهو, بل سيفضحه بما قدم وأخر؟ أم يختار له ميتة شريفة قبل أن يتفوه بها, ويلحق بأبي عمار, الذي ظل على (لائه) لأكثر من ثلاث سنوات, وقد أصابه من الغدر اليهودي ما أصابه, إلا أنه ختم حياته بما يحرص عليه الشرفاء... أتمنى لعباس الثانية, ولا أتمنى له الأولى, وليبلع نتنياهو كل مجاري تل أبيب وقيء السكارى ومخموري حاناتها.