من المعلوم أن مشروع حل الدولتين احتل مكاناً مرموقاً في سياسة بوش الابن وخطاباته في الولايتين الأولى والثانية, غير أنه لا شيء من ذلك تحقق في الميدان, فقد انصرف بوش من البيت الأبيض بعد أن قلّصت (إسرائيل) فرص حل الدولتين إلى أدنى درجة ممكنة لأن أغلبية اليمين الإسرائيلي لا تؤمن بالمشروع وترى أن قيام دولة فلسطينية في الضفة وغزة هو خطر مستقبلي على الوجود الإسرائيلي.
لم تذهب القيادة الإسرائيلية إلى مواجهة مباشرة مع الإدارة الأميركية بسبب مشروع حل الدولتين, ولكنها سارت باتجاهها لأخذها معها في طريق طويل وممتد ينتهي بالرؤية الإسرائيلية لمفهوم حل الدولتين وهو مفهوم غير مقبول فلسطينياً وعربياً ولا يفضي على اتفاق تسوية.
اليوم, وفي ظل إدارة باراك أوباما اتجهت إدارته إلى تكثيف الضغط على الجانب الفلسطيني للعودة إلى مفاوضات مباشرة, واتجهت إلى منح العودة (زخماً إعلامياً) مقصوداً, بلغ درجة (الهوس) في العملية التفاوضية نفسها دون جوهرها, لقد قلنا في مقالات سابقة إن عملية التفاوض المباشر مقصودة لغيرها لا لذاتها, فهي تهدف إلى إصلاح الوضع أمام الديمقراطيين في أميركا في الانتخابات النصفية, وتهدف إلى تعزيز التعاون الأميركي المصري في مسألة التوريث, في مقابل ضغط مصري على الطرف الفلسطيني للتفاوض.
في تقرير لمؤسسة (كارينغي) للسلام الدولي بواشنطن كتبه د. مروان المعشّر نائب رئيس الدراسات في المؤسسة وهو وزير خارجية أردني سابق شارك بفاعلية في اتفاقية وادي عربة رأي أن عملية المفاوضات الحالية في التقدير الراجح لن تفضي إلى نجاح وإلى اتفاق تسوية, ونبه التقرير إلى نقاط رئيسية مهمة منها:
1- بدء العدد التنازلي لتلاشي مشروع حل الدولتين, بسبب تآكل الضفة الغربية بالمستوطنات, وتمسك الحكومة الإسرائيلية بالأغوار, وتشددها في مسألة القدس واللاجئين, بحيث باتت فكرة الدولة الفلسطينية القابلة للحياة في موضع شك حقيقي, وإن أحطناها بالألفاظ الجميلة.
2- بدء العدد التنازلي لتلاشي فرصة تحقيق نجاح اتفاق ثنائي فلسطيني إسرائيلي, وحتى إسرائيلي سوري أيضاً, لأسباب موضوعية تتعلق بحجم التنازلات المؤلمة التي تطلبها (إسرائيل) من الفلسطينيين ومن السوريين, وهو أمر لا يقوى عباس على قبوله دون غطاء عربي له.
3- وبسبب ما تقدم في النقطتين السابقتين يرى التقرير أنه لابّد من البحث عن حل (إقليمي) يمنح عباس غطاءً عربياً للتنازلات المؤلمة التي تطلبها (إسرائيل) من أجل توقيع اتفاقية تسوية, ويحتاج الحل الإقليمي إلى دور نشط أميركي يأخذ بالحسبان المبادرة العربية ومشروع بيل كلينتون.
إن الحديث عن تلاشي فرص التسوية, وتلاشي فرص حل الدولتين, وغياب الحوافز الجدية لحل إقليمي في ظل الضعف والهزال العربي يكفي لتنبيه المفاوض الفلسطيني إلى خطأ المسار الذي يسير فيه, وان إضاعة الوقت دون مراجعة حقيقية لملف التفاوض هو في صالح خدمة الاحتلال وزيادة الاستيطان, والأصل أن تبادر السلطة بتقييم ما يحيط بها وتتوقف عن صم أذنيها عن رأي المعارضين لمسارها المعطوب الفاسد.