بعد التناقض الذي أعقب ما سربته وسائل الإعلام الإسرائيلية عن اتفاق بين سلطة رام الله وقوات الاحتلال الإسرائيلي حول إدارة معبر كرم أبو سالم من قبل عناصر من أجهزة الأمن الفلسطينية، ونفي بعض القيادات الفلسطينية للخبر والمعلومات الواردة عبر وسائل الإعلام الإسرائيلية، ثم خرج حسين الشيخ المنسق الفلسطيني مع الإدارة المدنية الإسرائيلية ليؤكد ما أوردته سلطات الاحتلال، ويظهر التناقض بين أركان سلطة رام الله.
التناقض سمة طبيعية لدى المسئولين في سلطة رام الله وهذا التناقض ليس جديداً بل شهدته الساحة السياسية الفلسطينية منذ نشأتها، وهذه ليست مشكلتنا الآن التي نود أن نتحدث عنها، والأهم من وجهة نظرنا خطورة الخطوة التي أقدمت عليها سلطة رام الله، وهذا يجعلنا نطرح السؤال التالي، أين ستمكث هذه العناصر في المعبر؟ هل هو على الجانب المصري ، أم في الجانب الإسرائيلي؟ أم أن قوات الاحتلال ستقوم باحتلال جزء من جنوب شرق رفح في منطقة كرم أبو سالم وتسليمها لعناصر الأمن التابعة لرام الله، وتبقى هذه العناصر تحت حماية قوات الاحتلال؟
كذلك من حقنا إثارة الشكوك حول هذه الخطوة الإسرائيلية ودوافعها خاصة في هذه المرحلة، هل هي ثمن الدخول في المفاوضات المباشرة، وما هي مصلحة الاحتلال في السماح لهذه العناصر بالتواجد في المعبر والمشاركة في إدارته، وكيف لسلطة رام الله أن توافق على هذه الإدارة تحت رعاية الاحتلال وجنوده، وهذا يجعلنا نسأل من سيتحكم في الداخل والخارج من وإلى قطاع غزة، ومن صاحب السيطرة، أم أن الوجود الفلسطيني وجود ديكوري أو إن وجودهم وجود أمني يهدف إلى تشديد الحصار على قطاع غزة في محاولة لمزيد من الضغوط والتضييق على قطاع غزة وحكومتها في القطاع، لأن هناك أهدافاً مشتركة لدى كل من الاحتلال وسلطة رام الله وهو العمل على التخلص من سيطرة حماس على قطاع غزة، لأن (إسرائيل) والسلطة والأطراف العربية وأمريكا يدركون أن المفاوضات المباشرة المراد لها أن تؤدي إلى إطار اتفاق يؤدي إلى تصفية القضية الفلسطينية لصالح المشروع الإسرائيلي.
إن أي اتفاق لن يكتب له النجاح طالما لم تكن غزة تحت سلطة محمود عباس وحركة فتح، لذلك الخطوة القادمة هي العمل على إنهاء حكم حماس في القطاع حتى يكتب لهذا الاتفاق النجاح؛ وإلا تكون هذه المفاوضات ونتائجها من وجهة نظر رعاتها والمشاركين فيها جهداً ضائعاً وبلا نتائج.
التخوف الأهم هو أن هذا التواجد الفلسطيني الديكوري سيشكل رافعة للاحتلال الإسرائيلي ويرفع عن كاهله مسئولية الحصار اللا إنساني على قطاع، وهم بذلك يخلون مسئولية الاحتلال عن الحصار على غزة بادعاء أن المعبر (كرم أبو سالم ) هو تحت إدارة فلسطينية، حتى وإن كانت ديكورية وبلا فاعلية لأن المحتل سيبقى المتحكم في كل شيء حتى في أنفاس هذه العناصر، وبذلك هذه الخطوة تصب في مصلحة الاحتلال وترفع عنه الحرج.
التخوف الثاني المشروع هو أن تكون هذه الخطوة تمهيداً لإغلاق معبر رفح، وتحويل معبر كرم أبو سالم إلى معبر للحركة التجارية وحركة الأفراد ، وبذلك يكون الاحتلال المتحكم بشكل مباشر في حركة المرور والسفر من وإلى القطاع، وعندها لا تكون هناك حاجة في استمرار فتح معبر رفح الجزئي، وهذا يرفع الحرج عن النظام المصري ويكفيه الاتهام بالمشاركة في حصار غزة مع الجانب الإسرائيلي والدولي، ما يشدد من الحصار على قطاع غزة، وعندها يصبح قطاع غزة بشكل كامل سجناً كبيراً لا مثيل له في العالم على مر التاريخ.
وعلى ذلك لا نرى في هذه الخطوة إلا مزيداً من الحصار والتضييق، ورفع الحرج عن المحاصرين سواء (إسرائيل) أو الحكومة المصرية، ثم العمل على إنهاء وجود حماس لتمرير مشروع التصفية، وهذا يخالف المعلن من قبل المسئولين في سلطة رام الله أن هدف الخطوة هو رفع الحصار عن قطاع غزة، بل الهدف المشترك لكل الأطراف هو حماس.
والحقيقة المؤكدة أن كل محاولات إنهاء وجود حماس وتصفيتها وعزلها عن الساحة السياسية باءت بالفشل، وهذه الخطوة ستلقى نفس المصير وإن كانت المحاولات ستأخذ أشكالاً مختلفة في كل مرحلة من المراحل، ولو كان هدف سلطة رام الله هو رفع الحصار عن قطاع غزة لكان التنسيق مع حكومة حماس هو الطريق إلى ذلك في موضوع المعابر، ودون ذلك تكون الأهداف خبيثة كخبث الاحتلال وشركائه.