محمد وائل دغلس صحفي مقاتل

نشر 19 سبتمبر 2010 | 08:18

في حياة الناس تظل الأضواء ومعها الشهرة ، والمديح ، والإطراء أمنيةً يبذلون في سبيلها المال والجهد ، وكثير التكلف الذي يضايق الفطرة وينافي الطبع السليم .

 

في السياسة وعالمها تزيد الوتيرة بغية ذلك ، فترى في أركانها التزييف والخداع حين تستخدم الأكاذيب المصورة للدعاية والإعلان لتجميل القباحة للساسة من خلال التعلق على أستار الكعبة ، أو زيارات لمرضى يموتون على أسرة الشفاء .

 

وقد تكون الصورة المطلوبة ، تجول بين الأيتام والأرامل والجوعى حتى إن اكتمل برنامج الدعاية السنوي تجد الصنف هذا يحرص على (التعقيم والتشحيم وتغيير الزيت ) كي لا تعكر المشاهد التي صادفها سكرة الليل ، وتمايل الغانيات .

 

في الوطن العربي الكبير هذا شائع لصنف القادة والوزراء والأمراء وأرباب النظام وقططه السمان ، وكلاب الحراسة الكبار .

 

للدلالة على ما نقول يكفي الوقوف على أبواب الفنادق والمراقص و دور اللهو لتريك عيناك خروج آخر الليل ، و الذي يكون حصرياً للكبار وهم يزحفون بين يدي حراسهم من شدة إسرافهم في الفحش والعربدة والفجور .

 

في فهم الحياة يرتفع صنف من الناس فوق التفاهة ، تسخر لهم وسائل العيش الرغيد ، ومفاتن المركز ، وأضواء الصور ، لكنهم يلوذون بصمت فيغيبون ، حتى أن أقرب الناس إليهم لا يشعرون بظلهم الذي يكون أخف من وقع الندى على بارقة الشمس .

 

من بين من عرفنا القائد القسامي المجاهد محمد دغلس "الصحفي المقاتل" والسياسي البارع ، والمحلل المتقن .

 

في صفاته اكتمال لبهجة الحياة ، لكن نوازع روحه ركلت ذلك وتوجهت بالفطرة مذ كان طفلاً لمساجد الله يتعلم فيها ويكبر ، وتكبر معه الهمة ، حتى إذا كان النداء لله فر إلى الآخرة يحمل حجارته ومقلاعه ... يقارع فيغلب القهر ... يفاوض بمقلاعه فيهزم الخنوع ... وعند الحسم يسقط مضرجاً بدمه يعقم تراب الأرض .

 

في رحلة جهاده تعرض للإصابة أكثر من مرة حتى أن خارطة جسده تشهد في كل شبر منها موقع إصابة أو لكمة تعذيب .

 

الكبد ، والقولون ، والقدم ، والطحال ، والأمعاء كلها تعيش معه وقد بتر منها جزء إلى الشهادة ، وهو حي لا تهزمه إرادة الأعداء .

 

برغم ما لحق به من الأذى ظل في قريته "برقة قضاء نابلس" نموذج الشاب المضحي والمتميز برغم يتمه المبكر ، فتفوق في دراسته ودخل جامعة بير زيت قسم الصحافة لينطق صادقاً باسم القدس والنكبة ، والجرح .

 

فما داهن ولا تراجع و في عرف الصحافة دفن الأجساد الصفراء وأقلامها ، التي تجيد الصلاة وفق قبلة المال والمنصب ، لتبيع ذاتها في نخاسة الحكام وتحت أقدام الجلادين .

 

في رحلة دراسته صاحب القلم فكتب ، وتعلم التصوير فوثق حتى مل ، ومع مرور الأيام أدرك أن زمانه لا يحتاج الحروف المنمقة المعطرة ، ولا المداد الميت .

 

فبحث عن ذاته الكريمة فوجدها في عتمة الليل مع المغارة والرصاص ، والقنبلة والكمين ، حتى بز عين الإعلام بأخباره العاجلة ، وأوقف الجزيرة وبثها أمام فعله ، وفتح للغاصبين في كل بيت مأتماً وعويلاً .

 

في تحليل القنوات العبرية وخبراء العسكرية ، ومحللي السياسة ، الذين كانوا يرسمون للفاعلين صفات الخيال ، ويدعون أن إمكاناتهم تفوق المعقول وأن في ظهرهم دولاً وأحلافاً ومحاور .

 

ظلت القناعة على ذلك حتى جاء يوم لقائنا في سجن بئر السبع ، دخل علينا شاب باسم الثغر هادئ الخطى يحمل في ملف حكمه خمسة عشر حكما بالمؤبد ، لا يخافها بل يرسل بين يديها الاستهزاء ، ويعلو بهامته فوق الظلم ويقهر في خطاه الجلاد .

 

ما أن رأيته حتى أدهشني ... أأنت أنت ؟

ضحك وقال هي عطايا الله تصنع على أيدينا المعجزة فازداد عجبي حين جاء على إثره بلال البرغوثي قائده ، ثم اكتملت أركان العجيبة التي صنعوا فكانت أحلام وردة المعتقل وسليم جميل المجاهدين وعبد الله أسد المواجهة .

 

لوائح الاتهام التي قدمت لهم أمام المحاكم العسكرية وأنت تسمعها تذكرك بفتية الكهف وهم يجابهون ذل الأرض بعصبتهم المتماسكة ، لكنهم كانوا وعلى بساطة ما يملكون أصحاب الفعل الكبير ، والملحمة العادلة ، والأثر الأطهر الذي لا يحملون فيه جميلاً لأحد إلا الله .

 

لضيق المقالة أظل أذكر للرائع دغلس لطائف من سيرة السجن حيث سجل لذاته علامةً مسجلةً في صناعة (الفريرو الشهيرة) ، والهريسة ، وبعض مأكولات السجن التي نصطلح عليها الأسماء هذه كي نشابه واقعنا في حياة الخارج .

 

في تتمة لطائف عشرتي معه وعدته أن أعلن أنني فزت عليه في مباراة تنس الطاولة وعلى رؤوس الأشهاد .

 

لكنني لم أعده بأن أعلن انبهاري ، بعزمه ، وروحه ، وجلده ، ورجولته ، وعطائه وإيمانه وإقدامه الذي أظل أمامه طفل مدرسة لا ينافس ولا يستطيع .

 

في الختام سلام عليكم معشر الأشراف ، إن موعدكم مع الفجر القريب ، نحبكم بالكلمات التي ينسجها الروح ، ورضي الله عنكم .