محطات من تاريخنا والمفاوضات الكارثية

نشر 15 سبتمبر 2010 | 00:57

كنا ونحن صغار ننكر على الزعامات العربية وقوعهم في مكائد الاستعمار وتصديقهم وعوده التي كانت دائما سرابية ، فيجعل منهم المستعمرون عملاء (هكذا) أو مغفلين (في أحسن الأحوال) فلطالما أنكرنا وقوع الشريف حسين بن علي -أمير مكة- في خديعة السير هنري مكماهون الكبرى التي جعلت منه أداة طيعة في يد الانجليز الذين جندوه والأعراب كرأس حربة أصابت الدولة العثمانية (المسلمة) في قلبها تحت مسمى الثورة العربية الكبرى ، مقابل وعد أن يكون الشريف ملكا على الحجاز.

وأن يكون أولاده ملوكا على العراق وشرقي الأردن والشام ، فأسلم الرجل قياده لهم ، وجعل من أولاده قادة في جيش الإمبراطورية العظمى يأتمرون بأمر لورانس ، ذلك الضابط الانجليزي الداهية ، وما إن انتهت الحرب العالمية الأولى حتى نفض الانجليز أيديهم من وعدهم بتمليك الشريف حسين بلاد الحجاز، إلا أنهم جعلوا من أبنائه حكاما على العراق والأردن ، وإن هي إلا سنوات حتى سقط الحكم الملكي في العراق بعد ثورات متتابعة لأحرار العراق في وجه الانتداب البريطاني الذي أوجد النظام الملكي.

وجعل من نفسه حارسا له ، مما اعتبره الشعب العراقي الحر نظاما تابعا للاستعمار وخائنا لهذا الشعب ؛ ولذا لم يتوقف عن التصدي له لإسقاطه حتى تم له ذلك سنة 58 ، خاصة بعد أن سقط الحكام في شرك حلف بغداد (العميل) الذي كان رديفا لحلف الناتو، الذي تقوده قوى البغي والاستعمار وفي مقدمتها أمريكا، ثم أنكرنا ( أيضا ونحن صغار ) النظام الملكي في مصر لأبناء محمد علي وآخرهم فاروق الذي كان أداة طيعة في يد الإنجليز- أيضا- الذين زرعوا (إسرائيل) في المنطقة ، وضربوا على مصر التخلف والضعف والعبودية وأذلوا إنسانا وفلاحيها وجيشها ؛ تثبيتا لأركان الكيان الوليد (إسرائيل)لإدراكهم أن مصر هي الجبهة الأمامية التي إن دانت للمشروع الاستعماري فقد ضمن الاستعمار لإسرائيل البقاء.

ولعل أكثر ما أنكرناه هو اتفاقية الهدنة (رودس) التي كسرت شوكة النضال والمقاومة ، وجعلت من إسرائيل أمرا واقعا ، ثم أنكرنا اتفاقيات كامب ديفيد ، ووادي عربة اللتين أخرجتا كل من مصر والأردن من معادلة الصراع ضد المشروع الصهيوني ، مما ترتب عليه انهيار جبهة دول الطوق ، وتشتيت شمل العرب المأمول ، ورحيل الجامعة العربية ، والانفصال النكد بين مصر الشقيقة والثورة الفلسطينية ، وما تبع ذلك من تراشق إعلامي حطم آمال جيلين أو ثلاثة في الانعتاق من ربقة الاحتلال ، الذي أحكم قبضته على فلسطين ، كل فلسطين ، ولقد كانت زيارة السادات بمثابة الطعنة النجلاء التي نفذت إلى القلب الفلسطيني ، والتي أغرت إسرائيل بمزيد من التغول والعدوان .....

حتى وصل بها الأمر إلى أن تقتلع الثورة الفلسطينية من خندقها المتقدم (لبنان) لتمزقها ، وتطوح بها إلى تونس وعدن واليمن والسودان ، حتى كان الارتطام الأكبر بمجيء عرفات إلى السادات تحت الحماية الفرنسية فيما عبر-وقتها- ناجي العلي ( إن هذه الزيارة لها ما بعدها وإن الأرض قد بدأت تحرث من جديد ، استعدادا لزرع شيطاني جديد ، وإن البذور بدأت تبذر لما هو آت).

وفيما اعتبر المراقبون أن هذه الزيارة كانت المدماك الأول في مؤتمر مدريد سنة 91 ، واتفاقية أوسلو ، وخطوة غزة-أريحا أولا، وما تبع تلك الزيارة التي فسخت العمل الفلسطيني ومنظمة التحرير إلى رافض وموال ، حتى وصل الأمر إلى أن الموالين يكسرون أشجار الزيتون ، ليحملوا أغصانها وينظموا المسيرات تنادي بالسلام مع اليهود ، الذين يقتلون أبناءنا ، ويحطمون عظامهم ، بل ويعتقلون حملة الأغصان ، وهم يصرخون (لو شالوم) .... ثم أنكرنا دخول عرفات بيت الطاعة الإسرائيلي ليشكل سلطة.

والذي أنكره بدوره ، ولكن بعد فوات الأوان ...وفي كل مرة يزداد اليهود طغيانا وعتوا ، ونهبا للأرض ، وتهويدا حتى للمقدسات ، وأما نحن فنزداد شرذمة وضعفا وضياعا ، حتى وصل بالسلطة أن تكون حربا على الثورة والمقاومة وعلى كل من يقول لا للمشروع الصهيوني ، بعد أن تدينه بالخيانة والجاسوسية والعمالة للموساد !!! ويرى منظروها أن من مات أو قتل فهو الشريف ، وأما من بقي على قيد الحياة فهو خائن وجاسوس ، وها نحن اليوم نرى ونسمع ما يجري في شرم الشيخ من بدء مفاوضات بين الاستعلاء الصهيوني والهوان الفلسطيني ، والذي تولاها عباس وفريقه ، والتي وصفتها حماس بالكارثية ؛ لأنها تؤدي إلى شرعنة الاستيطان ، وتمثل غطاء لجرائم الاحتلال ، ولذا فإن حماس تحذر فتح من الاستمرار فيها .

فماذا يا ترى ستفعل حماس ؟؟؟ أرجو أن نرى ثمرات برامج عمل ، وإلا فالكارثة ستحل لا محالة .... بل ستكون كارثة الكوارث ، وليراجع كل حر مع حماس ألفاظ جورج ميتشل في مؤتمره الصحفي إثر انطلاق الجولة الثانية من هذه المفاوضات ، والتي كان ابرز ما فيها( التأكيد على يهودية دولة إسرائيل).