للعيد أهازيج وطقوس ... ثياب جميلة ولقاء أحبة ... أطفال يفرحون تزهو في أيدهم ألعاب المرح ... وبنت وردية بعمر الزهر يزدان بها الثوب الأبيض المطرز بنسائم الورد الأحمر ... وبيوت امتلأت حباً وتراقصت كما السهل النرجسي في فصل الربيع .... وأمهات تفننت في أصناف الحلوى حتى ترسم البسمة على وجوه الملائكة الصغار.
حتى الشمس إن نظرت إليها وجدتها في حلة العيد باسمةً تحنو على الأرض، تشارك البلابل عزف ألوان موسيقى الطبيعة الأخاذ .
أما ليلة العيد، فحكاية فوق ألوان الرومانسية المألوفة، فعتمتها يزينها القمر كأنه حورية تزينت للقاء حبيب ، ونسائم معطرة تذكي الشوق قصائد من جمال.
على أوتار الروح مآذن هتفت نشيد العيد تعظيماً لله وتمجيدا ، حتى إن تخيلت العيد واقعاً قلت هو عرس جنة أو موكب علوي فيه الرحمات .
العيد في الزنزانة له حكايات تمتد من ذكريات الشوق حتى حدود الألم البعيد الذي تفننت فيه قساوة الجلاد وعتمة الزنزانة .
حكايات أوقفت الإنسانية أمام محاكمة لن تنتهي حتى يصدر حكم الإعدام على غاصب يسرق وطناً ويحتل أملاً ويقهر بسمةً ، العيد هناك تفاصيل أرويها لكم في مشاهد حية مباشرة من غير تدخل ولا إضافة .
استقبال العيد
العيد في الأسر له طقوس يصنعها الأسرى ليميزوه عن أيامهم العادية ، تنظيفات وتجميل للزنازين بقصاصات الورق الملونة التي يتفنن فيها الأسرى، مضيفين عليها صور الأحبة من الأطفال لتكسر قتامة الزنزانة كي نميزها عن القبر .
ومع دنو الأيام أناشيد يتدرب عليها الشباب حتى تطرب قلوبهم الطاهرة الجميلة .
ولساعة المرح المعذب يجمعون ما تيسر من حلوى يصنعونها بأيديهم يسمونها كنافة ،هريسة ، والشوكولاتة العالمية التي يتقنها الاسير محمد دغلس( الفرارو ) كلها تشترك بأنها مصنوعة من فتات الخبز المتبقي من طعام الأسرى يضيفون إليها ما تيسر من بعض المواد التي تدخل (الكنتين) ليسهل على الآكل تميز الفرق بينها .
أما ملابس العيد فتكون مخبأةً على مدار العام لا تمس إلا في العيدين، ويوم زيارة الأهل يحافظ عليها مكوية من خلال طيها ووضعها تحت فراش نوم أكثر الأسرى وزناً، ليكون بذلك الفضل له في رؤيتك ثياباً مرتبةً مقبولة المظهر.
كما يجتهد الأسرى في تهريب زجاجة عطر يحكون معها رائحة جديدة للمكان ، كأنهم يسمعون بأفعالهم الجلاد بأن أعيادنا لنا ولن تسرق .
عيد من دموع وقبل
سجن تلموند من السجون الفريدة التي تجمع كافة الأسرى من أطفال ونساء وبالغين في أقسام معزولة عن بعضها، لكن يسهل التواصل بينها عبر الفتحات الصغيرة للنوافذ .
في أحد الأعياد وبعد أن صلينا الفجر وتجهزنا للصلاة في زنازيننا فإذا بصوت بكاء يعلو في قسم الأطفال، هرعنا إلى النوافذ وإذا به محمد إبن الثلاثة عشر ينادي بصوته الرقيق المثقل بحشرجة الدموع يا شيخ ضياء( بدي أمي من شان الله، بدي أروح ، أهلي اشترولي لبسة العيد ، أمي حكتلي قبل اشوي هذا الحكي ) .
ثم جاء بعده صهيب ابن الخامسة عشرة ينادي يا شيخ أولاد غرفتي بعيطوا على محمد .
موقف أصابنا بالذهول واستنفر فينا عواطف جياشة كنا نخبؤها تجملاً بين الأحبة وجلداً نقهر به السجان .
وبعد مفاوضة ووعد بهدايا سيطرنا مؤقتاً على دموع الأطفال، ومضينا إلى الصلاة وما أن اقتربنا من الانتهاء حتى عاد مشهد محمد وفؤاد الباكي .
طلبنا مقابلة مدير السجن وبعد مفاوضة سمح بزيارة للأطفال لقسمنا حتى نهدأ من روعهم، وجهزنا على جناح السرعة هديةً لكل واحد منهم من صنع أيدينا حتى نضيف للأطفال شيئاً نفسياً يعيشونه في العيد .
وصل الأطفال مرتبين في طابور فدخلوا علينا في ساحة السجن، وحين اللقاء ركضوا إلينا وركضنا إليهم، وحضن كل واحد منا ولده وبكوا في أحضاننا ... وبكينا من غير دموع .
قبلنا رؤوسهم، ومسحنا عليها وما زلت أعيش إلى اليوم المشهد بتفاصيله الإنسانية التي لن يسهل على احد فهما إلا من عاش التجربة .
صمت في الليل وذكريات
يمر نهار العيد، نتبادل الزيارات، نسلو بالقصص، ننشد، نغني، يقوم بعضنا بعمل مشاهد مسرحية هادفة ترسم البسمة في المكان، نبقى على ذلك حتى نصلي العشاء ونخلد إلى النوم، وفي النوم يبدأ شريط الذكريات يعبر المكان إلى الديار الحبيبة حيث الأم والوالد والزوجة والولد.
نطوف عليهم واحداً واحداً نرسم على جباههم القبل ، ثم نلوذ من الذكريات الى الدعاء بأن يمن الله علينا بالفرج .
كان يقول الأسير علاء قفيشة المحكوم بالمؤبد " في ليلة العيد أتحسس تفاصيل أولادي في الصور، وأقبل همام حتى أنام ، وفي نومي أراه، أعيش العيد معه حتى الصباح .
أما عماد القواسمي، أحد أسرى المؤبدات، كان يعيش ليلة العيد بطريقته الخاصه يجلس على كرسيه قبالة الشباك ويضع أنشودة ... (للأحباب نغني ) في أذنيه، وما أن ينام الجميع حتى يلوذ بشوقه إلى صلاة الليل كأنه يعيد مشهد يعقوب ـ عليه السلام ـ وهو يقول (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ......) ليلة العيد صمت الظاهر وزحمة من الذكريات والأحلام الجميلة التي تسلو عن الأسير همه وحزنه ووجع الفراق.
في حديث الذكريات تكثر القصص الكثيرة الجميل منها والحزين ، لكن ما تعجب إليه بعض ما نشرته الأوراق الصهيونية هذه الأيام التي تجهز فيها عائلة شاليط استقبال عيدها من غير ولدها هو كم التضامن الدولي الذي جاء من زعماء أوروبا ، والولايات المتحدة ، وحين الحديث عن أولادنا يباح لسجانهم انتهاك الحرمات دون معاتبة ولا استنكار .
وقبل الختام، لست أدري إن كان يباح لأولاد الزعماء الفرح ، حين يحرم خير الناس رؤية النور.