هذا عنوان كتاب للمحامية الشهيرة (ليئا تسيمل) التي تعود المناضلون الفلسطينيون إسناد المرافعة عنهم أمام القضاء الإسرائيلي لها, ورغم السنوات الطويلة التي قضتها ليئا في هذه المهنة إلا أنها لم تفقد شهرتها ولم يضعف إصرارها على أداء دورها بكفاءة وحرفية...
وهذا يلقي بضوء على إمكانية احترام الإنسان لذاته ومبادئه, فليئا قد رأت - كما رأت زميلتها الأسبق والأشهر (فليتسيا لانجر)- ظلم الحكومات الصهيونية وأجهزتها القمعية وعنصريتها ومخالفتها لقوانين (الدولة) وإجراءات التحقيق, فلم تستطع أن تغطي على هذه الجرائم, أو السكوت عن ادعاء الديمقراطية والإنسانية والأخلاق التي طالما صدعت الآلة الإعلامية الصهيونية رؤوس الدنيا...
فـ(إسرائيل) التي قامت على نظرية (وعد الرب) ووعد بلفور, فأنشأت جيشاً وأجهزة أمنية قد فاقت شهرتها شهرة مثيلاتها لدول عظمى, لم تكن لتحقق أهدافها إلا على عذابات المناضلين والتي وصلت إلى درجة تتناقض بالكلية مع القوانين ذات العلاقة, كما تتناقض مع المواثيق الدولية وخاصة اتفاقية جنيف الرابعة, فمارست الضرب بالهراوات الثقيلة التي تهشم العظام, ومنع الأسير من النوم ليالي وأياما, والضغط الفاتك على الأجهزة الحساسة, وإرغام الأسير على الجلوس لستمائة ساعة على كرسي التحقيق ذي القوائم القصيرة, والظهر المائل إلى الأمام والقاعدة المكونة من قضبان متباعدة, بما يحدث آلاماً مبرحة في المفاصل وتسلخات في الجلد واللحم...
إضافة إلى أصوات الموسيقى (الجاز) الصاخبة التي لا تتوقف ساعة من ليل أو نهار, وكتم الأنفاس بما يحدث الاختناق الذي يقترب من إزهاق الروح, وقد فاضت فعلا أرواح أبطال عاشت ليئا كما عاشت فليتسيا قضاياهم وما جرى لهم؛ الأمر الذي دفع الأخيرة أن تضع كتابها الشهير (بأم عيني ) والذي فضحت فيه هذه الممارسات غير القانونية وغير الأخلاقية وغير الإنسانية...
كل هذا خطر لي وأنا أقرأ خبراً مفاده أن ضباطاً من الشين بيت يشاركون ضباطاً فلسطينيين في الضفة الغربية في التحقيق مع أنصار حماس, الذين اختطفوا إثر عملية الخليل, وقراءتي لخبر السماح لعناصر من أجهزة الأمن الفلسطيني بالدخول إلى مناطق (C) لملاحقة المطلوبين (لها) على خلفية هذه العملية...
ثم سرحت إلى بعيد فرأيت مجد البرغوثي ومحمد رداد وما جرى لهما من أساليب وحشية أدت إلى وفاتهما بعد رحلة عذاب لا يصبر عليها (جمل), في دورة تطحن كل قيمة واعتبار لإنسانية الإنسان وكرامته, لأقول للمعذبين وذويهم من حقكم أن تقولوا: لا, صرخة المظلوم في وجه الظالم...
وإن لم يتوقف الإجرام والتعذيب والترويع والملاحقات فمن حقكم أن تقولوا: لا بالقبضة والحجر والسكين, لتخرج جموع المظلومين المضطهدين لترجم تلك القطعان من الوحوش الكاسرة لتوقف هجومها وتحطم أنيابها...
إذا كانت عقيدة المجاهد أن يتصدى للاحتلال والاستيطان, فلتكن أيضاً من عقيدته التصدي لأعوان الاحتلال وأدواته وعملائه... إن هذا الشعب الذي فجر انتفاضة دامت سنوات وسنوات بدأت بصرخة في وجه المحتل, ثم صارت حجراً, فسكيناً فرصاصة فحزاماً ناسفاً فصاروخاً فصموداً أسطورياً في وجه الرصاص المصبوب, هو نفس الشعب الذي يرى نازية أجهزة فقدت الحد الأدنى من الانتماء لهذا الوطن (إنساناً وأرضاً وهويةً) وارتبطت وجدانياً وعاطفياً وفكرة بالمشروع الصهيوني, فأمست خطراً محققاً على مستقبل جيل ونسيج مجتمع وكيان أسرة...
وهذا أمر مؤكد يستوجب أن يقول هذا الشعب: لا, وإذا كانت العمليات المتعاقبة (الخليل رام الله واليوم قلنسوة: طولكرم) تمثل بداية حراك ضد أسياد المجرمين فإن ذلك يتطلب وجود جدار صلب من الشعب كل الشعب ليهشم أنياب تلك الوحوش, ويجبرها على التراجع, إنها حيلة المضطر, إنها ضربات من يوشك على الغرق للنجاة من دوامة عاتية تشده إلى القاع كي تسلبه الحياة, وأي غريق يخشى على نفسه من البلل؟
كيف لا يتحرك لينجو من يرى جدارًا يوشك أن ينهد عليه؟ وكيف لا يذود عن نفسه - ولو بحجر- من رأى أنياب كلب توشك أن تنغرز في كاحله؟ كيف...؟ هو قانون الكف والمخرز, فلو بقي الكف كفا فحسب, ولم تتكاثف معه ألف ألف كف لانتصر المخرز عليه!! ولكن إذا تكاثفت فقد خاب المخرز, فقامته (قزم)... وعندئذ سيتوقف شلال الدم... إنه قانون الحياة!!!!!! أن من حقك أن تقول: لا.