السياسة فن عاجز ، و لعبة هواة ، وتقليد يجتره و يحترفه جبان خشي غبار اللقاء المقاتل ، أو ساعة الرحيل الأحمر في وطن تعزل فيه السياسة عن مقارعة محتل لا يفهم غير طريق الأسنة والحراب .
في لعبة السياسة على ثرى وطني يكثر السفه وترتفع في عالم القادة أسماء وهمية تختبئ وراء زي منمق نسجته أدوات الصناعة المعدة لترويج الرجال والقيادات والمرجعيات بما يتناسب مع الموضة الحديثة للخنوع والانتكاس العربي المهين .
في صدر المصطلحات تزدان الكلمات بصفات تعد لبهرجة السلع القيادية المروجة .
فتصطف على النواصي سمات كاذبة كالمحنك ، والذكي ، و المتحدث ،و المحاور ، و الرصين ، و العابس ، و المراوغ ... كلمات مكياج اللحظة والرواية المرادة ساعة الأحداث الكبيرة ليسهل على المشاهد التصديق بأن الجهد المبذول مبعثه ملح الأرض وعرقها .
في لقاء الأيام تعرفت على بعض من لقبتهم حكاية التزييف منابر رقابنا ... وجدت أحدهم في ساعة وداع شهيد على بوابة مشفى رام الله الحكومي ، وقد غمس كفه بدم طاهر أراد أن يأخذ به صورة يزدان بها على الصفحة الأولى لصحيفة ما ، وعند انتهاء مشهد التصوير تبخر و لم أجده إلا في يوم عرس شهيد آخر ، حضر لتمام مسرحيته ، ومنه لم تسمع أم الشهيد كلام العزاء .
و آخر كان يحرص على التفنن بعبارات الحماسة حتى ظننته عنترة التاريخ ، أو سالم الثأر لا زير خمر فرغته التفاهة من قالب الرجال ، حتى صدفته الأيام الكاشفة يعتلي شهوته مع فتيات ليل يترنحن بعد الدق على دنان السكر واللهو .
الصنف هذا من الأرباب الورقية لا يصمد أمام الشمس وإن طال ستر التوت لزيفهم ، لأن ورقها في الخريف لا يدوم .
أما من كسته حلة ثلج تذوب فيظل الأصل بريق الخير الأخضر يانعاً جميلاً ككوفية الختيار ، وعربة الإمام ، ونبرة الدكتور الرنتيسي ، وبسمة العياش ، ووسامة الريان ، وجمال الوزير والد جهاد.
في رحلة الأسر يصح مسار الصور حين تلتقي من بين الناس خيرهم ، ومن بين الرجال أصدقهم ، ومن بين النفوس أجملها .
من بين من عرفنا والد القسام مروان البرغوثي ... ذلك الشاب الذي عرف طريق المقاومة باكراً ، وسجل لذاته مكانة في قلوب الناس ، وسابق على المواقع الأولى في قيادة فتح التي يحكمها تزاحم قيادات يصعب على الضعيف الصمود في وجهها .
عرفت الرجل يوم كان ينصر فكر السلام ، والتطبيع ، وظننت حينها أن صنف مروان من الرجال قد أنهته ألوان السياسة التي أخذت من مدريد البغيض وأوسلو الملوث المعلول صفاتها .
في الأيام تلك عاشت الحركة الوطنية خصومةً كبيرةً بسبب الافتراق في المناهج ، والانقسام في السبيل ، فتاهت البوصلة، حتى جاءت صيحة القدس ونطق الرصاص ، وتوحدت سواعد الفرقاء من خلال ميثاق الدم الموحد.
مروان يومها كانت خياراته ضيقة ، وحسابات البيدر بدت تذروها ريح الشرق المفعمة بالنار ، حتى شوهد يقلب النمطية المتوقعة من خلال احتضانه جيل فتح الشاب الذي أراد منافسة الشهادة مع القسام والسرايا ، فدعم ، وخطط ، وأسس ، برغم المعرفة بأن حبل الحياة الرغيد قد ولى و أن ساعة القصف أقرب من لحظة النجاة .
مروان كان بصدق يشكل التصويب في حالة حركة فتح المجهدة ، بل فاق ذلك ليكون ظاهرة الصدق التي عرفت يوماً في عيلبون ، وشقيف ، والبداوي .
مروان في فتح منهج يغيب اليوم ، ويتيه ، ويضمحل .
كثير من الأصحاب الذين عرفناهم على منهج والد القسام ، يسمع صوتهم في أروقة الصمت المذهل وهم يصرخون ، إلى أين أنت ذاهبة يا فتح الرصاصة ، والختيار ، والقنبلة ؟
إلى أين تسير خطى من قادوك في ساعة يحتاجك الوطن الذي تشبع بمؤامرات التغييب والطمس والفناء ؟
سواء اتفق المرء مع فتح الماضي ، أو خالف الكثير من تصرفاتها ، إلا أن العدل المنطوق الذي وجب تمنيه ، هو في عودة العاصفة ، والتاريخ ، ليكبر الرد المشترك الحمساوي والفتحاوي والجهادي على كل مارق يريد بعثرة الحلم والاكتفاء بربطة العنق والتسليم للأعداء .
هذه نصف الحكاية ، ونصف الأمنية ، ونصف الدعاء ، وحين الاكتمال سنشهد طيف الشباب يحملون في عيونهم الموشحة بالنار جرح القدس ويثأرون ... فإلى لقاء مع بطل حكاية جديد .