ذكرنا في الحلقة السابقة بعض الأهداف التي ينبغي مراجعة إنجازها، ونسبة ما أنجز، ومعوقات تمام الإنجاز، إن وجدت، وهل هي معوقات خارجية أم نفسية داخلية؟
وذكرنا من تلك الأهداف الكبيرة والحكم العالية للصيام:
1- زيادة القرب من مولاك. 2- زيادة الإيمان. 3- لعلكم تتقون. 4- الشكر على المنهج. 5- تحرير الإرادة. 6- اكتشاف الذات والطاقات. وفي هذه الحلقة نكمل إن شاء الله فنقول، وعلى الله التوكل ومنه تحقيق المأمول.
وسابع الأهداف: تجديد الذات وشحنها بالطاقات، وإعادة ملء خزانات الوقود والبطاريات. وما أقرب مثل الإنسان في هذا بجهاز المحمول الذي يحمله الإنسان في جيبه، وهو يحتاج إلى إعادة شحن كل يومين أو ثلاثة على الأقصى. فكذا النفس تفرغ من معنوياتها ومخزونها نتيجة ملابسات الحياة ومعافسات العيش، والتعرض للفتن والأهواء، والتقلب في الظروف المختلفة والأوساط المتفاوتة. ومن هنا جاءت الحاجة إلى إعادة الشحن ومن هنا كان رمضان.
فهو شحن بالقوة والعزيمة والمضاء والإيمان والمعنويات والهمة، وكل معنى إيجابي، مثلما هو نفض للغبار والعوالق وكل ما هو سلبي.
وثامن الأهداف: تذوق حلاوة الإيمان وحلاوة القيام. ولا شيء يعرفك حقيقة الشيء إلا ممارسته. ولا شيء يعرفك حلاوة الإيمان ولذة الطاعة إلا تجربتها. وها إنك أيها الصائم قد ذقت من حلاوة الطاعة ولذة المناجاة وسعادة القرب، وأنس الدعاء، واستشعرت اليقين بأنه يسمعك ويستجيب دعاءك ونداءك. أما وقد عرفت كل ذلك وذقت حلاوته وارتشفت من رحيقه وسلسله، فلا تفارق ما أنست به ولا تباعد نفسك عن سعادة وأنس وجدتهما في خلوتك وجلوتك واعتكافك وتلاوتك. كم تلذذت بدمعات هطلت إذ تلاوة ندية لآيات علوية تفاعلت معها النفس فجاشت بالدمع السخين الغزير؟
كم طربت لهذه الآيات تتلى فتنبت أرض النفس زهراً وبنفسج! كل هذه النعم صنها واحرسها والزمها، كما قال الحبيب المعلم: "عرفت فالزم." فيا من سعدت بأجواء رمضان لا تعد للشقوة باتباع خطوات الشيطان.
وتاسع الأهداف: استثمار الوقت ومعرفة قيمة الزمن. الزمن أعظم ثروة مهدرة عند المسلمين المعاصرين. وكان أعظم استثمار عند المسلمين في أعصر المد والخير. ورمضان فرصة وموسم للزرع ووقت مهم للاستثمار والادخار والتنمية. أقصد أن تنمي رصيدك. وهل وقت البذار في الشتاء، ووقت الحصاد في الصيف، كسائر الأوقات عند المزارع؟
هناك مواسم، وكما في الآثار: "ألا إن لربكم في أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوا لها." وإذا كانت ليلة في هذا الشهر تعدل الدهر كله أو تزيد فكيف نهدر منه قطرة من الزمن أو لحظة من الوقت أو طرفة عين يمكن أن تستغل في تحصيل قربة أو طاعة أو ذكر أو تسبيح أو تلاوة آية؟
وإن قيام ليلة واحدة هي ليلة القدر من ليالي هذا الشهر مع الإخلاص والإخبات كفيلة بأن تمحو عنك ذنوب العمر كما في الحديث: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" فكم الوقت مهم! وكم رمضان معلم مهم وعظيم يعلمنا قيمة الوقت واستثمار الوقت.
والهدف الحادي عشر: تكفير الذنوب بإذن الله ومحو السيئات بفضل الله وغسيل النفس من أدرانها بعفو الله.
ورمضان موسم كل ذلك ووقته، ولذا كان رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما، تعيد العبد بإذن الله كيوم ولدته أمه، أو على الأقل تمحو عنه خطايا سنة كاملة. وما ذاك إلا لأن الرحيم يريد أن يكفر عن عباده سيئاتهم ويحط خطيئاتهم ويرفع درجاتهم، ويدخلهم الجنات عرفها لهم.
ومثل النفس كمثل القميص بعد اللبس، يحتاج إلى غسيل، وكذا النفس تتعرض لغبار الشهوات وأوساخ الأهواء ومنغصات المجادلات والمفاصلات والمعاركات، فتحتاج إلى غسيل من أدرانها أرأيت كيف شبه النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة بنهر يغتسل فيه المسلم خمس مرات في اليوم والليلة فلا يبقى من درنه شيء، وكذا الصيام غسيل شامل لإزالة كل البقع وما التصق من الشوائب ولو كل طبق طعام أكلت فيه ألقيته ما بقي في الأرض أطباق. ولو كل عبد أذنب قذف في النار لم يبق أحد مع الأبرار. وإنما شرع الله الغفار هذا الموسم ليمحو السيئات بل يبدلها حسنات: "إن الحسنات يذهبن السيئات" "فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات.."
وإني أزعم أنه ما من عبادة تصبغ الإنسان بجو العبودية كالصيام مع القيام. ذلك أنك لشهر كامل "منقوع" في العبادة نقعاً لتصطبغ بالعبودية: "صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون"
والهدف الثاني عشر: التحصين. أقصد أن أقول: ما أشبه الإنسان بقلعة حصينة، فيها نقطة ضعف قد ينفذ منها العدو، فيحتاج أصحاب القلعة أن يرمموها، وأصحاب الحصن أن يمتّنوه ويصونوه ويحصنوه ويحسنوه، وبالذات من هذه الجهة من الجهات التي يحتمل ولوج العدو منها.
ونقطة ضعفنا، أو واحدة من نقاط ضعفنا، التي كان فيها رسوبنا الأول، نقطة الطعام. أما علمت أن أباك أتي من هذه الثغرة، عندما زين له الشيطان الأكل من الشجرة فأطاعه، وهو عدوه، وأكل من الشجرة، فخرج من الجنة. ومن فلسفة الصيام أن يقوي جهاز مناعتك ومقاومتك ضد عدوك، ومثله في ذلك كمثل الطالب الذي يرسب في مادة دراسية فيعيد الامتحان فيها ليجتازها ليجتاز سنته الدراسية إلى ما هو أعلى منها. فكان امتناعنا عن الطعام امتحان الإكمال، لننجح فيه، لنعوض خسارتنا.
والهدف الثالث عشر: تعليم فلسفة الاستغناء. وهذا فيما أعتقد من أعظم الدروس. وهذه الحكمة من أعلى الحكم. فالغنى في النفس. والغنى غنى النفس. وليس عن كثرة العرض. والغني من تعلم أن يستغني عن كثير من الأشياء. ولأمر حكيم كان النبي صلى الله عليه وسلم في معيشته كما تعلمون. فهو يجلس على الحصير حتى يحز في جنبه، ومنظره يبكي الزاهد عمر. فيقول: يا رسول الله، كسرى على الحرير وأنت على هذا الحصير؟ فيقول ما معناه: أما يرضيك أن تكون الدنيا لهم والآخرة لنا؟ ولأمر حكيم يُحصر الأصحاب مع معلمهم في الشعب ثلاث سنين حتى أكلوا أوراق الشجر. وكان الله يستطيع أن ينزل مائدة من السماء عليهم ثلاث وجبات.
ولأمر حكيم يموت النبي وليس في بيته دينار. ويوم طلبت نساؤه بحجة المصروف كان التخيير كما تعلمون. ولا نزيد في هذا المعنى فكله معروف. واليوم المسلمون تعلموا الاستهلاك حتى استهلكوا. ضاعت أموالهم وثرواتهم في التوافه. وضيعوا حقيقة أن الذين صنعوا التاريخ وولجوا دروبه هم الذين جاعوا وافتقروا، وأن الذين انخلعوا من وظيفة صناعة التاريخ وخرجوا من التاريخ هم الذين اتخموا.
من فتحوا الأندلس الفقراء ومن أضاعوا الأندلس المترفون الأشقياء. ولوددت أن أسترسل في هذا المعنى. لكن خشية الإطالة تجعلني أتوقف. ولا مانع من التذكير بنموذج مثل غاندي.
من الذي خلده التاريخ هذا الزعيم أم الذين جمعوا الثروات من العرب؟ ما نفعتنا البلايين؟
ومن هنا كان الصيام مدرسة في تعليم فلسفة الاستغناء. فلئن كنا نستغني عن الضروريات للبقاء والحياة، أفلا نستغني عن الكماليات؟
والهدف الرابع عشر: صيانة شبكة العلاقات الاجتماعية ولا أعني فقط التعاطف مع الفقير والإحساس به فالمعنى أكبر من هذا بكثير. إن كل عبادة في الإسلام تهدف من ضمن ما تهدف إلى تحقيق الوحدة، وتمتين أواصرها، وصيانة ما أسميته شبكة العلاقات الاجتماعية.
إن قوة أي مجتمع في تماسكه وتكافله ووحدته وقوة أواصره، ورمضان والصيام يهدف من ضمن ما يهدف إلى هذا المعنى الكبير المهم الخطير.
فأن تمارس الأمة عبادة واحدة، وتمسك عن الطعام (في كل مجتمع) في لحظة واحدة، وتقوم الليل وراء إمام واحد، وتتلو كتاباً واحداً، وتتكافل بزكاة الفطر والصدقات، فقل لي ما الذي يحقق الوحدة بعد هذا أو أكثر من هذا؟
والهدف الخامس عشر: الارتقاء الأخلاقي، والتحسين والتهذيب. ولا ريب أن تتميم بنيان الأخلاق أعظم مهمات الأنبياء. ولذلك كانوا هم المثل الكامل في الإنسانية وللإنسانية. وكانت أخلاقهم ذرى سامقة يهتدي بها البشر كالمعالم أو كالأعلام. ومن هنا وصف القرآن النبي صلى الله عليه وسلم بعظمة الأخلاق إذ قال: "وإنك لعلى خلق عظيم"
وأما الصوم فهو مدرسة التهذيب والترقيق لكل طبع غليظ. إنه ضبط النفس واللسان والأعصاب، مثلما هو ضبط الفم عن الطعام. بل إن ضبط تناول الطعام أهون الأشياء، أمام الواجب الكبير الآخر، الذي لخصه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل إني امرؤ صائم."
وهكذا كان الصيام جنة، بمطلق المعنى، وبالذات إنه جنة من سوء الخلق وانفلات اللسان.
إن الصائم يتشبه بالملائكة بالليل والنهار. فكيف يكون فظاً غليظاً سيء الخلق؟
ومن أين أتى المسلمون "بالتعصيب" و "النرفزة" في نهار رمضان، وزيادة المشاجرات والحوادث؟
إنها الثقافة المريضة التي تحتاج عاجلاً إلى تغيير. أما الدين والصوم فعظمة مطلقة!
ولوددت الاسترسال حتى إكمال ثلاثين نقطة أو ثلاثين حكمة بعدد أيام الصيام، ولكني خشية الإطالة والإملال لذا أتوقف عند هذا الحد في المراجعات، وأدعو نفسي وإخواني للمراجعات في ضوء هذه الدروس والحكم، لمعرفة الإنجاز كما بدأت، وأين أخفقنا. فالقياس والتقويم مطلوب في نهاية كل عمل. وما أجمل أن نتهيأ لاستلام الجائزة في يوم الجائزة بتحقيق الغايات المنشودة والأهداف المرصودة. والجائزة على قدر الإنجاز.
وتقبل الله منا ومنكم ورزقنا التوفيق وإياكم.. وحياكم.