كعادتها مدينة الخليل تصنع المفاجأة ، تخربط الأوراق ثم تصمت حين الدربكة العالمية على أفعالها ، لتتحول إلى مدينة الحياة والنشاط الاقتصادي الكبير التي يصل تجارها إلى كافة الدول كأنها إمبراطورية الزمان في العالم .
مفاجأة الخليل المرة كانت من العيار الثقيل حين عقدت مؤتمرها الصحفي الخاص من خلال رقصة دم ساعة الإفطار المتوافقة مع لقاءات البيت الأبيض الذي أجهد في ترتيبات إطلاق المفاوضات المباشرة بهدوء برغم تخوفات مارتن إندك الذي حذر من مفاجأة اللحظة الأخيرة .
حدس مارتين إندك لم يكن عفوياً بل خبرته المكتسبة من خلال فهمه لفعل الخليل في الأعوام 95 ، 96 ، 97 الذي هندسه حسن سلامة ومحمد أبو وردة اللذان جاءا في ظل قيادة الشهيد يحيى عياش للجناح العسكري والذي ترجل وتركهما يصنعان فعله الذي ظل يذكره كتبة المخططات في المنطقة .
ذات المدرسة سارعت أمس إلى تبني عملية الخليل ليعود الجدل الكبير حول التوقيت ، والسبب ، والرسالة التي وصلت بحسب رأي القدس العربي إلى كل المجتمعين في واشنطن عرباً وعجماً وعبيداً.
فحوى الرسالة وتفصيلاتها كانت مدار النقاش الليلة في الإعلام (الإسرائيلي) الذي وصف العملية بالمفاجأة والكبيرة والمتحدية لإدارة العالم الذي يسعى لتهدئة المنطقة من خلال حراك السلام .
الإعلام الصهيوني ربط العملية مع جهد تبذله حماس في الضفة الغربية لإعادة ترتيب صفوفها بعد حملات الاعتقالات التي تمت من أكثر طرف ، والتي معها تفككت كثير من مجموعاتها العسكرية ، والتي كانت آخرها خلية الخليل التي نفذت عملية مشابهة قبل شهر في مكان قريب من ذات المنطقة التي نفذت فيها عملية الأمس .
البعد التقني للعملية لم يتوقف عنده الإعلام الصهيوني كثيراً بل دار الحديث حول الانعكاسات الممكنة للعملية على فرص السلام الضعيفة ، وعن سبل الرد الذي ستنتهجه (إسرائيل)على العملية .
كما أن الدعوة كانت واضحة لضرب غزة ، ووقف التسهيلات في الضفة الغربية وعدم التسليم بقدرة الأمن الفلسطيني على ضبط الأوضاع والتي تم التذكير في سياقات عدة بما جرى في انتفاضة الأقصى ودور بعض الأجهزة المشارك في إطلاق النار والعمليات الفدائية .
ليبرمان ، إيشاي ، أحزاب اليمين رأت في العملية تصديقاً لتوقعاتها التي رأت في لقاء واشنطن مهرجاناً احتفالياً ستؤخذ فيه الصور ولن يسفر جهد المضيف فيه عن أي اتفاق برغم أمنيات الولايات المتحدة .
نتنياهو ،باراك ، رئيس الأركان توعدوا برد على حماس يفوق حدود توقعاتها .
اليقين من خلاصة العرض للردود الصهيونية على العملية سنرى بعد قمة واشنطن رداً صهيونياً على أكثر من جبهة منها: نار على غزة تستهدف قيادات عسكرية وجملة اعتقالات في الضفة قد تطال نواباً وقيادات وناشطين في حركة حماس .
مثل هذا الرد سيظل المتوقع لكننا سنرى معه ضغطاً أمريكياً مصدره (إسرائيل) للتعامل مع حماس بالطريقة التي أسفر عنها مؤتمر شرم الشيخ والذي جمع العالم فيه مئة دولة في عام 96 لمواجهة الحركة في مؤتمر خصص لمواجهة (الإرهاب) مع إدراكي للتغير الجوهري بعد 11 سبتمبر ولآلية الأوامر الموزعة أمريكياً .
في قراءة اليوم للإعلام الصهيوني وحديثه عن استثمار العملية في السياق الذي يخدم مصالحه يحتم ذلك علينا نحن الفلسطينيين قراءة متغيرات أكدت عليها نيران الخليل والتي يمكن تفصيلها بالتالي :
1. المقاومة الفلسطينية ، وإن كبت لا تموت حتى تنتهي مسوغات وجودها وهو الاحتلال لذلك لا ينجح أحد في مقاتلة النتائج إن لم يفلح فهم المسبب .
2. الإلغاء والتفرد السياسي في الساحة الفلسطينية لا ينجح لأي كان لذلك فإن القوة الفلسطينية ينظمها منهج الوحدة الذي يدمج بين رؤية المقاومة الأصيلة وحديث السلام العادل الذي يحدده التاريخ العربي على هذه الأرض .
3. لعبة السياسة تحتاج إسناد قوة ترد على الصلف الصهيوني الذي يمعن في القتل ، ولا يتوقف مده الذي يستهدف الوجود العربي في فلسطين .
4. سواء كانت بندقية الخليل تطلب رأس السلام أو تعبر عن رؤية الحق فإنها عادلة صحيحة تعبر عن نبض الأمة وهذا ما وجدناه في تعابير الوجوه الفرحة ومنها الفتحاوية أيضاً .
5. البديل لفشل السلام خيارات يجب أن لا تسقط ، وخاصة أن جاهزية المحتل لا تتوقف .
لذلك نحتاج إلى رقي في الفهم والتخطيط في مستقبل أيامنا التي نصنعها وحدنا في ظل عالم عربي يتيه في مشاكله الداخلية وفساد قادته الكبير .
في الأمس صلى الحاخام الصهيوني لقتل عباس ولإنهاء حماس وردد خلفه جمهور صهيون موافقين ، في الحادث هذا لم يستنكر نتنياهو ولا حكومته التي أبدعت القتل في الضفة الغربية وسجلت في سنوات حكمها الاثنتين أكثر من سبعين شهيداً ومئات الجرحى وآلاف البيوت المدمرة ويفوقها عدد البيوت المصادرة ، وحين المناكفة الداخلية أيصح القول إن حماس قاتلة ، ونصدق الرواية الصهيونية من أن الرصاص كان هدفه السلام .