مثلما يجري التاجر جرد حساب شامل في آخر السنة ليعرف ربحه من خسارته، علينا أن نجري جرد حساب في آخر موسم رمضان لنعرف ماذا أنجزنا من الأهداف، وما الذي فاتنا إنجازه أو قصرنا في إنجازه، ولماذا قصرنا، هل كان المعيق يمكن التغلب عليه أو لم يكن ممكناً؟ وكما يجري المعلم تقييماً (أو تقويماً) للعملية التربوية في آخر السنة الدراسية أو الفصل الدراسي، كذا يجب علينا إجراء الفحص والتقويم لقياس العملية التربوية في الدورة الرمضانية أو المدرسة الصيامية.
والأمثلة والمقايسات كثيرة، لو جئنا نحصيها أو نستقصيها. فالمزارع يجري هذه العملية، وهناك تقويم الأداء الوزاري بعد مئة يوم والشواهد كثيرة.
أقول ونحن في الأيام الفاضلة الأخيرة من شهر الفضل الفضيل، لا بد أن نجري هذه "الجردة" الحسابية، لنرى "علامتنا"، كما تصنع الامتحانات المحوسبة، تعطيك النتيجة مباشرة. ونعلم أن الإخلاص من الصعب أن يقاس، فهذا متروك لمن يزن الذرة.. سبحانه. إنما نقيس ما ينقاس.
وأول الأهداف زيادة القرب من المولى الكريم القريب المجيب سبحانه. وقد نص على هذا الهدف قوله تعالى في آية الدعاء من آيات الصيام: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب.." فحكمة كل عبادة أن تقربك من مولاك، وتحدث نقلة إلى الأمام وإلى الأعلى في طريق سلوكك إلى الله، وهذا ما سماه ابن القيم: "مدارج السالكين" وأما النص القرآني على أن هدف كل عبادة القرب من الله، وخطوة في طريق الإياب والاقتراب بعد رحلة الاغتراب عن الله، فاقرأ قوله تعالى في الصلاة: "كلا لا تطعه، واسجد واقترب" وفي التلاوة يقول الحبيب على لسان المولى القريب المجيب: "واقرأ وارتق" ويقول القرآن في شأن الصدقات: "ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم"
وقال عن كل من داود وسليمان في سورة ص: "وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب" والزلفى هي القربى، أعني ما يقرب.
وقال عن الملائكة والأنبياء والصالحين وكل ما تعلق به الناس من دون الله أو معه: "أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه.." الإسراء.
وفي وسط آيات الحج في سورة البقرة بين أنها رحلة إلى الله أي العبادة بل الحياة كلها وكل رحلة تحتاج إلى زاد والرحلة إلى الله تحتاج إلى زاد، من نوع خاص ينفع في المعاد: "وما تفعلوا من خير يعلمه الله، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب."
ولا نطيل في هذه النقطة، فالمراجعة هنا أن تقيس نفسك من مولاك هل أصبحت بالصيام أقرب؟ هل قربك القيام والدعاء وتلاوة القرآن؟ المفروض أنه كذلك، وأنه نقلك إلى الأمام وإلى حضرة العلام مسافات تقدر بالأعوام.
وثاني الأهداف الكبيرة: "زيادة الإيمان" أو زيادة الرصيد والمخزون الإيماني. كما يحرص الناس على زيادة الرصيد المالي والمخزون المائي، فعلينا أن نحرص على الرصيد الإيماني وزيادته. أخذاً من القاعدة الذهبية التي ذكرت في فاتحة سورة الأنفال: "إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون."
وكما قال في قلب سورة محمد صلى الله عليه وسلم: "والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم." وفي سورة الفتح بعد محمد: "هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً.." وقال في سورة المدثر: "ويزداد الذين آمنوا إيماناً"
وقد نص البخاري رحمه الله في جامعه الصحيح أن الإيمان يزيد وينقص ، تزيده الطاعة وتنقصه المعصية.
وإن صيام رمضان طاعة من أعظم الطاعات، فالأصل أن تحصل معه زيادة للإيمان من أعظم الزيادات، وإلا فإن ثمة خللاً في روح العبادات أعني في استحضار هذه الروح أثناء الممارسة.
وثالث الأهداف: "لعلكم تتقون" العبادة روح ترتقي بالروح. والعبادة تحقيق الدين في المتدينين. والقرآن لخص المعاني الكثيرة بعبارة موجزة يسيرة إذ قال عن حكمة كتابة الصوم على هذه الأمة كما على كل أمم الأنبياء من قبلها لعلة هي: "لعلكم تتقون"
وختم آيات الصيام بآخر كلمة هي ذات هذه الكلمة: "لعلهم يتقون" واختلف الضمير من المخاطب إلى الغائب لحكمتين فيما أرى: أولاهما أن دورة رمضان قد انفضت، وصرنا نتحدث عن المشاركين فيها بضمير الغائب بعد أن كنا نتحدث عنهم بضمير المخاطب أثناء انعقاد الدورة. وهذا كثيرة نظائره في القرآن، واستمع واقرأ: "حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة.." إنهم هم أنفسهم لا سواهم.
وأما الثاني من الحكم، فأن تسري روح التقوى من روح هذه الأمة المسلمة إلى باقي البشر، كما نقل الغربيون روح حضارتهم المادية إلى كل العالم ونجحوا، فلماذا لا ننجح في نقل روح التقوى إلى الناس أجمعين وإلى العالمين، لمن أراد منهم. واستمع نص ختام آخر آيات الصيام: "كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون." والتقوى هي الكلمة الجامعة التي تختزل جملة الدين وأهدافه وغاياته وتطلعاته. والتقوى هي أعظم ثمرات الدين إن لم تكن الدين كله. والتقوى هي أساس قبول الأعمال، واستمع: "إنما يتقبل الله من المتقين" والتقوى سبب معية الله: "واعلموا أن الله مع المتقين" والتقوى سبب النصر والتمكين: "والعاقبة للمتقين" والشرح يطول لو جئنا نستقصي.
ورابع الأهداف والحكم: الشكر على نعمة المنهج. وهذا هدف منصوص عليه، وليس اجتهاداً من أحد. وتأمل أن قلب المحامد والنعم: القرآن العظيم. ولذا جاءت سورة الكهف المتكلمة عن نعمة المنهج في قلب المصحف وفي قلب سور الحمد: "الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، قيماً.."
والآية المتحدثة عن القرآن المنزل في رمضان جاءت في قلب آيات الصيام. فتأمل منهجية كتابك. يقول المولى الكريم: "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر فليصمه.." إلى أن قال في ختام الآية: "ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون" ومن نعم الله علينا فوق نعمة المنهج التي لا يقادر قدرها، أن عرفنا كيف نشكره على نعمة المنهج.. بأن نصوم شهر رمضان الذي أنزل فيه هذا المنهج. وتأمل البشر حولك بلا منهج تجد سوائم سارحة.. في أرقى بلاد الأرض. لا يعرفون لم هم موجودون، ولا إلى أين هم سائرون وصائرون. ولا ما يفعل بهم، فكم تحمد وكم تشكر؟
وإن أكفأ المهندسين لا يتجرأ على تشغيل آلة ثمينة معقدة إلا بعد قراءة "كاتالوج" التشغيل. ولله ولمنهجه المثل الأعلى. فالإنسان هو هذه الكينونة الهائلة المنطوية على طاقات هائلة فكيف تتعامل معه؟ لا بد من اطلاع دقيق عميق على المنهج قبل التعامل.
فهل استحضرت أخي رعاك الله نعمة الله عليك بإنزال المنهج؟ أما تعلم أن قرابة ألف مليون هندي يعبدون البقرة يخشعون أمامها ويعظمونها فكم تحمد ربك؟ أما علمت أن حوالي خمسين مليوناً هناك أيضاً يعبدون الفأر؟ فكم تحمد ربك؟
أما علمت أن هناك من يعبدون عدوهم.. ومن يعبدون الشيطان؟ فكم تحمد ربك؟ وكم تحمده على أن عرفك كيف تحمده؟ وكم تشكره على أن أرشدك كيف تشكره؟
وخامس الأهداف: تحرير الإرادة. وتهيئة الأمة للاستعداد لمنازلة أعدائها وإحقاق حقهم واسترجاع ما استلبه الأعداء منهم. وهل تظن أن قصد الصوم أن تجوع وأن تعطش؟ فهذا حاصل.
فأغلب المسلمين عطاش جوعى! لا وإنما مقصد الصيام إطلاق الإرادة من إسارها، وتحريرها من كل عوائقها. وطريق ذلك أن تتحكم في ضروراتك، وتستعلي عليها. ومن لم ينتصر في معركة الأمعاء لا يتصور أن ينتصر في المعركة مع الأعداء!
أما رأيت أن طالوت قبل المنازلة اختبر جنوده بالشرب من النهر فمن شرب فلا يواصل المسير، وذلك ليتمحص الصف. لأن الهزيمة تعدي في وسط الجيش ووسط المعمعة والمنازلة الكبرى، كما يعدي مرض الجرب في الجبهات. فالآن قبل أن تسري الهزيمة في الجنود وسط الميدان.
ولأمر حكيم أن فرض القتال جاء بعد آيات الصيام: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" 190 "واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم.."191.
ولأمر حكيم أن أول مواجهة مع الكافرين كانت في بدر في أول رمضان يصومه المسلمون. أرأيت؟ كم في دينك من العظمة والإدهاش؟
وسادس الأهداف: أن تكتشف طاقاتك وقدراتك ومذخوراتك. فأنت وأنا وهو وكلنا لا نعرف ما أودع فينا من مخزون لو استغللناه واستخرجناه لكنا أغنى الأمم. وبدل التحسر على أن بلادنا خلو من النفط فلنستخرج طاقة الإنسان، تعوض والله عن طاقة النفط. أما أصبحت اليابان تزاحم على الاقتصاد الثاني ولا نفط عندها، وما ذاك إلا باستخراج طاقات الإنسان.
فاكتشف رعاك الله ما أودع الله في هذه الكينونة المعجزة من قدرات ونمها وطورها وثورها ورقها وحضّرها وصنعها.. تكن بذلك خير أمة أخرجت للناس.
والحديث موصول.