في هذه الحلقة نتحدث عن العرب، وما هُمّش قوم ولا شعب، ولا شوهت صورة مجموعة من الناس كما جرى للعرب. وما امتهنت كرامة أمة كما جرى لهم، ولا تطاول الأعداء مهما كانوا أقزاماً كما تطاولوا على العرب.
فبلادهم مستباحة من قبل الصهاينة والأمريكان.. وهذا إلى حد ما مفهوم، فهؤلاء محسوبون في الأقوياء والقوى العظمى، لكن أن تتطاول على دولنا العربية حتى أثيوبيا وأوغندا وكينيا وبينين وتشاد.. وهل تذكرون أن أرتيريا احتلت بعض الجزر التابعة لبلد عربي، ولم تتهيب من "جامعة الدول العربية" ولم تحسب حساباً لغضبة عربية.. ولم تأتنا الأخبار منذ تلك السنين أنها غادرتها. فهي من المسكوت عنه. والخليج العربي مازلنا لا نستطيع تسميته باسمنا، وكل "العرائش" و"مدن الملح" و"عرائس الشمع" و"خيم المناسبات" المقامة على شواطئه وعلى مبعدة من شواطئه لم تستطع أن تفرض تسميتها، ودولة صهيون نجحت في سلب القدس منا وهي أقدس مقدساتنا بعد الحرمين وقبلتنا الأولى وهوّدتها ونحن نتفرج، وغيرت اسمها ونحن نتطلع، وطردت أهلها ونحن ننظر، ونسفت بيوتها والبلاهة لم تفارق نظراتنا الزائغة، وسحنتنا المصفرة المغبرة، وقلعت أشجارنا، وتهدد بالصوت العالي والفم الملآن قائلة مع الصيحة التي تسمع الصم والجلاميد سأهدم الأقصى وأقيم الهيكل..!
قال في اللسان، لسان العرب، عن العرب، تحت الجذر "عرب": "العُرب والعَرَب: جيل من الناس معروف، خلاف العجم، وهما واحد، (لا يقصد العرب والعجم واحد. بالطبع لا. مع أن كثيراً من العرب قد استعجم، واستعجم على العقل أن يفهم، ما الذي يدور في عالم العرب، لكنه يقصد أن العرب (بالضم) والعرب (بفتح ففتح) شيء واحد.) مثل العُجْم والعَجَم. (فعلاً كله زي بعضه. ووالله إن منا لأعدى علينا من أعدى أعدائنا. وأنّا منّا أعجام العقول والقلوب والنفوس أكثر من العجم المستعجمة! وأكثر ما يطلق العجم على الروم أو الأورام.)
قال الجوهري: العريب تصغير العرب. (فأل سوء من عمنا الجوهري –غير بتاع الكورة في مصر- وما درى أنه بهذا الفأل كان النحس فصغّر العرب لا في اللغة، ولكن في الواقع السياسي وتقزم دورهم، وضربتهم شيخوخة مبكرة، وهشاشة نظام وعظام!)
(ثم تصغير العرب بتصغير دورهم، وإنما تكبر الأمم والشعوب بالدور الذي تلعبه –بلغة العصر- أو الذي تنهض به، بلغة العرب، وتصغير العرب بمعنى تفتيت دولهم وبعضها تطوفه بالسيارة في أقل من نصف ساعة سواقة تأمل بلا استعجال. وتصغيرهم بمعنى تفتيت الوحدات الكبيرة.. نسبياً. فالعراق فتتوه إلى ثلاث عراقات متدابرة، والسودان برسم التصغير إلى ثلاث وحدات متعادية متعاركة.) (ولسة الحبل عالجرار.. فمصر على طاولة الانتظار وكذا باقي الأقطار)
نعود إلى اللسان والجوهري وتصغير العرب، فقد استشهد اللسان بأبيات شعر لأبي الهندي (دي آخرتها، أن يتكلم أبو الهندي عن العرب. ولقد زرت بلداً عربياً ونزلت شارع "العروبة" فيه، وسألت عن مكان فلم أجد أحداً يتكلم العربية، فقد كانوا كلهم هنوداً. ولعل الهنود يخطر ببالهم المطالبة بحكم ذاتي في بعض بلاد العرب وبيطلعلهم يا خالي!)
نعود إلى أبي الهندي واسمه عبد المؤمن بن عبد القدوس، فقد ذكر له اللسان أبياتاً لا تهمنا، ولكن موضع الشاهد منها قوله:
طعام العُريْب لا تشتهيه نفوس العجم..
قال اللسان: صغّرهم تعظيماً! (يرحم أيام زمان فقد كنا قلة عزيزة. والآن كثرة ذليلة. قالوا: مِنْ قلة نحن يومئذ؟ قال: لا، بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل..) إلى آخر الحديث الشريف. والتصغير كما تعلمون يكون للتحقير، والتصغير للتحبب وللتعظيم، وإنما يحدد ذلك السياق والمتكلم، فإن كان ولياً محباً اتجه الكلام إلى جهة، فإن كان عدواً شعوبياً، اتجه الكلام إلى جهة أخرى مضادة.) ثم ضرب اللسان مثلاً على التصغير للتعظيم فقال: أنا جُذيلها المحكك، وعُذَيقها المرجّب.
بالعربي يعني: الغصن أو النخلة المثمرة.
قال الزمخشري في أساس البلاغة: الجذل: أصل الشجرة. وفي معنى عذق قال: فلان عَذقه في المجد باسق، وعِذقه في الكرم واسق.
ونعود إلى اللسان: "والعرب العاربة، هم الخلّص منهم، وأخذ من لفظه فأكد به، كقولهم: ليل لائل، تقول: عرب عاربة وعَرْباء: صُرحاء. ومتعربة ومستعربة: دُخلاء، ليسوا بخلّص".
(هذه تحتاج إلى وقفة، فالعرب المستعربة يزعمون أن منهم إسماعيل. بل هو من العرب العاربة الخلص. فمن أين أتوا أن أصوله ليست عربية. ولم لا يكون عربياً؟ وإلا فإن أصولنا كلها من المستعربة. بل نحن من العرب العاربة، وجذورها في الأرض والتاريخ ضاربة، وليست أنسابنا سائبة، ولا عن الصراط ناكبة، ولسنا من العرب الهاربة، المنتسبة إلى الأعداء التي هي علينا متكالبة، يحكّمون في مواقفهم مصالحهم الغالبة.. وأما مصالح الأمة فغائبة).
(وأما "المستعربون" فأقذر ما في جيش الصهاينة. وإليهم توكل كل مهمة قذرة من اغتيالات إلى اعتقالات، فأشكالهم عربية، ولسانهم عربي، وبعضهم أصوله عربية.. دون تفاصيل!)
وما رأيت اعتزازاً بنسبه الخالص إلى العرب كالذي رأيته في السودان.. ثم المغرب. حيث اختلطت الأنساب بالأفارقة وسوى ذلك.. ولسنا مع العصبيات بالطبع، فهذا شيء، والأنساب وعلمها ومعرفتها وتحريها شيء آخر. فأبو بكر رضي الله عنه من أعلم الخلق بأنساب العرب، وكم كتب من كتب في أنساب العرب، وجمهرة هذه الأنساب. فهذا علم وأي علم!
قال في اللسان: "والعربي منسوب إلى العرب، وإن لم يكن بدوياً. والأعرابي: البدوي، وهم الأعراب، والأعاريب: جمع الأعراب. وجاء في الشعر الفصيح: الأعاريب. وقيل: ليس الأعراب جمعاً لعرب، كما كان الأنباط جمعاً لنبط، وإنما العرب اسم جنس. والنسب إلى الأعراب: أعرابي. قال سيبويه: إنما قيل في النسب إلى الأعراب أعرابي؛ لأنه لا واحد له على هذا المعنى. ألا ترى أنك تقول العرب فلا يكون على هذا المعنى؟ فهذا يقويه."
قلت: وهذا صحيح تماماً. فالقرآن استخدم لفظ الأعراب كما هنا في اللسان. فذكر القرآن الأعراب عدة مرات بهذا المعنى. وبالتحديد وردت كلمة "الأعراب" في القرآن 10 مرات، ست منها في سورة واحدة هي التوبة، كلها عدا موضعاً واحداً في موضع الذم.
ومن ذلك: "الأعراب أشد كفراً ونفاقاً" "قل للمخلفين من الأعراب.." أما موضع الثناء الوحيد فهو: "ومن الأعراب من يؤمن بالله.." سورة التوبة9، آية99. فالأعراب هم البادون (وليس البدون). والبداوة مظنة "الجفاوة" و"القساوة"، ولذلك كان هذا الإلحاح على الهجرة إلى المدينة ليتعلم الأعراب من أدب المؤمنين على يد سيد النبيين صلى الله عليه وسلم.
ومن هنا شعور يوسف بالامتنان لمولاه الرحمن لنقل أهله من البداوة وحياة الأعراب إلى المدينة والحضر، فقال: "وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو" إنهما رحلتان وانتقالتان: هو من السجن وهم من البدو. أما كلمة عربي وعربياً فقد وردت كلمة عربي في وصف لسان القرآن. ووصف القرآن جاء "عربياً" وجاء 6 مرات قرآناً عربياً، ولساناً عربياً وحكماً عربياً. فهذه ثمانية، و3 مرات عربي فهذه 11 مرة، كلها تأكيد على عربية اللسان الذي به ووفقه ووفق قاموسه ولغته وبلاغته وعرفه اللغوي نزل القرآن. فهذه أولى قواعد فهم القرآن، أنه يفهم وفق لسان العرب وقانونهم اللغوي! وكما ترى فلم تأت "عربي" أو "عربياً" وصف لقوم.
أما القوم الذين فيهم نزل القرآن فعبر عنهم بـ"الأميين"، وورد وصف النبي بالأمي مرتين. ووصف أمته بالوصف ذاته مرتين، وجاء مرة ثالثة على لسان اليهود: "ليس علينا في الأميين سبيل" يقصدون ما سوى اليهود، والعرب من هذا "السوى".
فالعربية تجمع كل المسلمين، وإن لم تكن العروبة جامعة للمسلمين. وعلى كل مسلم أن يتعلم العربية، وأن يكون جسر التواصل بين المسلمين لغة القرآن اللغة العربية. ولنا مع العرب والعروبة والعربية وقفات وحكايات.
فإلى الملتقى في حلقة تالية.