فن الممكن

نشر 26 اغسطس 2010 | 09:37

هذا تعريف الغربيين للسياسة ، والتعريف له وعليه ، ووجدتني أترك ما ( عليه ) لآخذ ما (له) ، فالفقيه السياسي يفترض فيمن يمارسها أنه يمكنه تحقيق شيء وبالتالي فإن لم يمكنه إحراز أي هدف فلا ينبغي له أن يعمل بالسياسة ، وإلا لغرق وأغرق قضيته ، وضاعت غاياته وأهدافه ، وهذا يتطلب الصدق مع النفس ابتداءً ، فإن كان كاذباً مع نفسه موهماً لها ، يزعم أنه يملك من الإمكانات والقدرات ما لا تقف عند حد ، وهو يعلم أنه أوهن من بيت عنكبوت ، فإن العمل بالسياسة عندئذ كذاك الذي قال فيه شاعرنا : ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له : إياك إياك أن تبتل بالماء

مع الفارق أن صاحبنا هنا مكتف بالضعف ، والعجز ، وألقى بنفسه – مختاراً لا مضطراً – إلى دوامات متلاحقة و متداخلة ، فهل يختلف عاقلان؛ فيقول أحدهما : ينجو ...

ويقول الآخر : سيهلك ؟! وهذا حال عباس وزمرته ، فلا يمكنهم عمل شيء وهذا ما أكدتها عشرون سنة من التفاوض ، ومما يبعث على الأسى أن يخرج كبير المفاوضين ليتحدى من يذكر موقفاً واحداً تنازلت عنه (م. ت . ف) منذ سنة 91 ، قافزاً عن الاعتراف بـ(إسرائيل) ( كدولة ) وبالتالي التنازل عما يزيد عن ثلاثة أرباع فلسطين التاريخية..

وعن حق المطرودين منها العودة إليها ، وعن تسليم الأمن لدايتون ولهيئة ضباط التنسيق الأمني ، وبالتالي التنازل للجواسيس وعملاء الموساد والشين بيت وآمان عن حياة الإنسان الفلسطيني ، وقافزاً عن التسليم بوقائع الجغرافيا التي فرضتها (إسرائيل) على المياه والحدود الشرقية حتى لم يعد لقصر صائب مجال فلسطيني، بعد أن أحاطته (إسرائيل) بعشرات من المستوطنات التي غطت بكرميدها الأحمر وحجرها الصخري السهل والوادي والجبل ...

وقافزا عن الفيتو الإسرائيلي على المصالحة التي يتباكى عليها صائب ، وقافزاً عن التنازل عن احترام شروط عباس بالعودة إلى غير المباشرة مرة، والمباشرة مرات، ليعود صاغراً عارياً حتى من ورقة التين لا التوت ، وقافزاً عن الإذعان لمطالب الصهاينة الغريزية بكسر شوكة الشعب الفلسطيني ، فكسرها عباس بل هشمها ، وقافزاً عن خضوع عباس لإشارة من قدم ( أولمرت ) لشل الحياة البرلمانية الفلسطينية، التي أفرزتها انتخابات فلسطينية لم يشك أحد بنقائها ، فذهب هو إلى ما هو أبعد من ذلك، فألغاها عملياً حتى أغرى ( الأشاوس ) بتحطيم أبواب المجلس وشبابيكه ومقاعده ومنع رئيسه المحرر من دخوله ، بعد أن أدت (إسرائيل) دورها المتفق عليه باعتقال 45 نائباً من الظلاميين (!!)

ولست أدري كيف لم يعد صائب هذا تنازلاً ؟!! وقافزاً عن الإذعان لرغائب (إسرائيل) في امتداد الاستيطان الذي أعلنه ليبرمان وقد قالها ( بالفم المليان ) : ( لا يمكن لـ(إسرائيل) أن تقبل طلب أمريكا ( مجرد طلبها ) بتجميد الاستيطان بعد 26/9 ) في الوقت الذي يهدد صائب بعدم الاستمرار في التفاوض المباشر إن أقدمت (إسرائيل) على بناء المزيد ، ولم تلتزم بالتجميد ، والكل يعلم أنه لا يملك من أمره شيئاً !!!! فأين الممكن الذي يمارس مفاوضنا فنه ....

المصيبة أن صائب يتحدى وهو يعلم أنه سيخسر التحدي، حتى أمام طفل ابتدائي يسمع ويرى سلسلة من التنازلات أدت إلى تدمير الأساس الذي قامت عليه (م. ت . ف) وأعني (الميثاق الوطني الفلسطيني) وبالتالي تدمير الشخصية الفلسطينية، والاستراتيجية الفلسطينية، والثوابت والمنطلقات ..

وحبذا لو عاد صائب إلى ملفاته وأرشيفه لأنها أوعى من ذاكرته وأحفظ ، خاصة بعد أن ازدحمت التنازلات في رأسه فلم يعد يرى ملامحها ، وإن لم يجد فليعد إلى السنوات العجاف التي عاشها عرفات مقطوعاً عن العالم بل عن مكتبه بعد أن تحول إلى حمام ومطبخ ودورة مياه وقاعة اجتماعات ، ولم يمكنه أن يفعل شيئاً ، وهو من هو ؛ خبرة ومناورة وذكاء وقيادة ودهاء ، فقط لأنه دخل بيت الطاعة الإسرائيلي من نفق أوسلو الذي ظن أن في نهايته شعاعا وإذا به بريق القيود والأصفاد !!!

أخيراً يقفز صائب عن تمكين المفسدين والمرتشين ووكلاء الاحتلال في قيادة البلاد والعباد ، وها هي طلة غازي الجبالي تشرق من جديد بعد أن ( قبض ) ابن الرئيس ثلاثة ملايين دولار لتبييض صفحته ، ومنحه صك غفران ، ونزاهة وشرف ووعد بأن يرفعه إلى درجة مستشار للرئيس – هو فن الممكن هي السياسة التي يعرفها وكلاء الاحتلال ، وبالتالي فهي سياسة من هذا الباب ،ولكن المكملة لسياسة (إسرائيل....).