وعد بلفور فلسطيني

نشر 24 اغسطس 2010 | 09:11

في الوقت الذي كانت فيه وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلنتون مساء الجمعة الماضي تعلن من واشنطن عن استئناف المفاوضات المباشرة بين "إسرائيل" وسلطة رام الله "بدون أي شروط مسبقة"، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتباهى أمام مجموعة من وزرائه بأن الفلسطينيين والعرب وأعضاء اللجنة الرباعية قد خضعوا تماماً للمواقف التي عبر عنها، وأن "الجميع باتوا يدركون أنه ليس بالإمكان لي ذراع إسرائيل"، على حد تعبيره. ومن دون أن يرهق نتنياهو نفسه في تعداد انجازات "إسرائيل" الكبيرة في إعلان كلنتون، فإنه يمكن الإشارة إلى عدد منها.

أولاً: نجح نتنياهو في إملاء موقفه على السلطة التي عادت للمفاوضات في ظل، ليس فقط عدم استعداد "إسرائيل" لتجميد الاستيطان في الضفة الغربية، بل أيضاً في ظل تشديد كبار المسؤولين الإسرائيليين على أن تل أبيب تستعد للشروع في طفرة هائلة وغير مسبوقة في البناء في المستوطنات، وهذا ما يسمعه الفلسطينيون صباح مساء من وزير الخارجية الصهيوني أفيغدور ليبرمان، ونائبي رئيس الوزراء موشيه يعلون وبني بيغن وغيرهم. وهكذا فقد دلل إعلان كلنتون عن استئناف المفاوضات مرة أخرى على افتقاد ممثلي السلطة والنظام الرسمي العربي لأي قدر من المصداقية؛ فعن شاشة "الجزيرة" كرر مسؤول دائرة المفاوضات في السلطة صائب عريقات تشديده على أن السلطة لن تعود للمفاوضات بدون التزام صريح بتجميد الاستيطان في الضفة الغربية والقدس، وصدر الموقف نفسه مرات كثيرة عن أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى.

اللافت أن استئناف المفاوضات في ظل تواصل الاستيطان ينطوي على خطورة هائلة، فهو إقرار عملي من قبل ممثلي السلطة بحق "إسرائيل" في مواصلة الاستيطان، ومن ناحية ثانية فإنه يفرغ المفاوضات من مضامينها، فإن كانت المفاوضات تستهدف الحفاظ على الحقوق الفلسطينية وعلى رأسها الأرض، كما يزعم مشايعوها، فإن المفاوضات تتحول إلى مظلة يتم تحتها قضم هذه الأرض وحسم مصيرها.

ثانيا: بعكس ما روج له الناطقون باسم السلطة، فقد وافق محمود عباس على استئناف المفاوضات بدون تحديد مرجعية أو أجندة لها، علاوة على عدم اتفاق على مآلها، فقد نجحت الضغوط التي مارسها نتنياهو على إجبار اللجنة الرباعية على شطب فقرة من بيانها تدعو إلى إنهاء المفاوضات بشأن الدولة الفلسطينية في غضون فترة محددة، كما أنه لم تتم الإشارة إلى قرارات مجلس الأمن ذات العلاقة بالقضية الفلسطينية، وهذا ما يسمح لـ"إسرائيل" بهامش حرية هائل في التسويف والمماطلة والتفسير كما يحلو لها وينسجم مع مصالحها، في الوقت الذي تواصل فيه الاستيطان على الأرض. وسيتم استئناف المفاوضات دون الاتفاق على جدول القضايا فيها. فقد وافق عباس على ألا تبحث المفاوضات مركبات القضية الفلسطينية الرئيسة، وتحديداً قضية اللاجئين والأرض، واشترط بدلاً من ذلك أن تتناول المفاوضات قضيتي الحدود والأمن. وإن كانت إثارة قضية الأمن تأتي أساساً لخدمة المصالح الإسرائيلية، فإنه لا طائل من بحث قضية الحدود، في الوقت الذي تستأنف فيه المفاوضات في ظل التسليم بتواصل الاستيطان.

ثالثاً: لا يمكن فصل استئناف المفاوضات المباشرة مع السلطة عن مخططات "إسرائيل" تجاه المنشآت النووية الإيرانية؛ فمن الواضح إن "إسرائيل" معنية بسيادة مناخ إقليمي يسمح لها بتنفيذ مثل هذه العمليات ذات التأثير الاستراتيجي بعيد الأمد. وهناك سوابق تدلل على كيفية توظيف "إسرائيل" المفاوضات مع أطراف عربية لتنفيذ أجندات سرية، فقد جاء قرار رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحيم بيغن بقصف المفاعل الذري العراقي عام 1981 بعد سلسلة لقاءات مكثفة بينه وبين الرئيس المصري السابق أنور السادات، وأمر رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت بقصف المنشأة البحثية السورية في ديسمبر 2008 مباشرة بعد انتهاء أعمال مؤتمر أنابوليس الذي جمعه وكلا من محمود عباس والرئيس الأمريكي جورج بوش.

رابعاً: ولا جدال في أن استئناف المفاوضات المباشرة بين السلطة و"إسرائيل" يعني بشكل مؤكد أنه لا أمل في استئناف جلسات الحوار بين حركتي فتح وحماس بشكل جدي. صحيح أن كل المؤشرات تدلل على أن فرص نجاح الحوار تؤول إلى الصفر حتى قبل أن تستأنف المفاوضات المباشرة، لكن ومع ذلك فإن استئنافها يوجد بيئة سياسية تجعل الجهود التي تبذل من بعض الأطراف العربية والفلسطينية حالياً لاستئناف الحوار والتوصل لحلول بشأن خلافات الورقة المصرية تؤول إلى الصفر. فالفيتو الأمريكي الإسرائيلي على الحوار الوطني واضح وجلي، ولا يحتاج المرء أن يعدد الاقتباسات الصادرة عن المسؤولين الإسرائيليين في هذا الشأن.

خامسا: تدرك قيادة السلطة أن تراجعها الواضح عن شروط الحد الأدنى التي وضعتها لاستئناف المفاوضات سيعمل على إضعافها أمام الجمهور الفلسطيني، لذا فقد لجأ عباس وأركان حكومة فياض للأسطوانة المشروخة ذاتها التي عادة ما يلجؤون إليها في مثل هذه الحالات، وهي الشكوى من أن السلطة تعاني من أزمة اقتصادية خانقة تهدد قدرتها على تسديد رواتب الموظفين والعاملين، وأن رفضها الموافقة على استئناف المفاوضات سيعمل على مفاقمة الأزمة، ويهدد فرص تسلم الموظفين رواتبهم، حيث لن يلتزم المانحون الأوروبيون بدفع الرواتب. من الواضح أن الهدف من افتعال الحديث عن أزمة مالية هو توفير مظلة للتراجع عن الشروط التي قدمتها سلطة رام الله.

قصارى القول، موافقة السلطة على استئناف المفاوضات يعني ضمن أمور أخرى، أن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير والفصائل المشاركة فيها وضمنها فصائل يسار النفاق قد منحت "إسرائيل" وعد بلفور جديد، لكنه هذه المرة وعد فلسطيني.