هل هناك حرب ضد إيران؟ أقول: لا

نشر 23 اغسطس 2010 | 10:34

ها هي أمريكا.. القوة الأعظم في العالم, والتي تنتشر جيوشها في أكثر من مائة دولة, واقتصادها هو الأقوى, وتنفق على البحوث العلمية وغزو الفضاء ما لا تنفقه دول متقدمة مجتمعة.. أمريكا التي يحارب جندها ضد الإنسانية في أقاصي الدنيا, ها هي تنسحب وهي تجر ذيلها بعد أن تصدى لها (نفر) يحملون إرادة الحياة, ويجيدون فن صناعة الموت والتضحية والفداء, فيوقعون بها الهزيمة, فتخرج من العراق قبل الموعد بموعد, في جنح الليل كخفافيش الظلام أو عصابات اللصوص, تلفها العتمة, تخرج أمريكا من العراق وقد سالت دماء كرامتها وغرورها, ليقفز سؤال: هل هناك سبب خفي لانسحابها, كالتفرغ لإيران (مثلا)؟ بمعنى: هل ستحارب أمريكا إيران؟ يذهب بعض المحللين إلى هذا الاحتمال! وأقول: لا, لن تفعلها أمريكا؛ لمجموعة من الأسباب:

أولاها: إن إيران ليست كالعراق, فقد خرجت العراق من حربها المجنونة ضد إيران التي امتدت لثماني سنوات خائرة القوى, ثم خرجت من الكويت وقد تدمر جيشها, واضطرتها ظروف حرب الانسحاب من الكويت إلى تهريب طائراتها المقاتلة إلى إيران؛ أملا في استرجاعها عند نهاية الحرب, الأمر الذي لم يحدث!! بينما إيران قد طورت من ترسانتها الحربية؛ من صواريخ بعيدة المدى, إلى طائرات حديثة تسرح وتمرح في فضاء مكشوف, وطوربيدات فائقة التجهيزات والسرعة, إلى استحكامات منيعة ما لو أقدمت أمريكا على ضرب ذلك جميعا فلن يكون سهلا كما كان الحال مع العراق.

ثانيها: إن قوات أمريكا وقواعدها في الخليج في مرمى النيران الإيرانية, ولن تملك أي قوة في الأرض (إطلاقا) أن تحسم المعركة من الضربة الأولى, حتى وإن كانت نووية, فإن للضربة الثانية (المرتدة) من الأثر والقوة ما يمكن أن يكسر ظهر أمريكا المكسور فعلا في العراق وأفغانستان, وفي الصومال كذلك.

ثالثها: إن (إسرائيل) تمر في أضعف حالاتها ضد إيران, فإن تجاربها الحربية الفاشلة في غزة ولبنان, والتي هزت الروح المعنوية لجيشها, لن تسمح لها بإعادة الكرة مرة أخرى, وعلى هذا البعد البعيد جغرافيا عنها, خاصة وأنها فقدت ما يمكن أن يكون مواقع استراتيجية مهمة للهجوم كتركيا, في حين أن إيران لها من المواقع المتقدمة جدا من رأس (إسرائيل) الشمالي ما تستطيع تكسيره, فضلا عن أن تلك المواقع لها أثر تدميري في العمق الإسرائيلي يصل إلى وسط السبع, أو إلى ما بعد بعد السبع, وهو ما لا تنساه (إسرائيل), بتذكرها الدائم لغيمة الصواريخ التي ظللت سماءها وتفجرت في قلبها, والتي انطلقت من الجنوب اللبناني قبل سنوات أربع!! فكيف هي اليوم؟ كما أن (إسرائيل) تدرك –منذ نشأتها- بأنها كيان لا يحتمل الهزيمة مرة واحدة (حسب ديفيد بن غوريون) وبالتالي فلن تغامر أبدا بالانفراد بالهجوم على إيران إلا من خلال تحالف دولي كالذي غزا العراق, وهذا لن يكون أبدا أبدا.

رابعها: إن إيران الماضية بإصرار في مشروعها النووي السلمي والذي استطاعت أن تمتلكه من روسيا جهارا نهارا لا يمكن أن تتوقف عن امتلاك قوة نووية حربية إن لم تكن قد امتلكتها فعلا, وهو ما تدركه أمريكا و(إسرائيل) جيدا, مما يشكل خطرا حقيقيا لا لمصالح الدولتين, بل ما يهدد باستئصال (إسرائيل) من شأفتها, وهو ما لا تخفيه إيران بالمرة, بل ويصرح به قادتها.

خامسها: إن سوريا (الساكتة) إعلاميا والتي ضربت (إسرائيل) ما يشير إلى سعيها في تطوير جيشها وتزويده بأعلى المخترعات والتقنيات الحربية تعلنها صريحة أيضا أنها لن تقف مكتوفة الأيدي حيال أي حرب يشنها أي طرف ضد حليفتها (الأهم) إيران, مما يشكل قوة رادعة قبل أن تكون هجومية تصيب ذراع (إسرائيل) الحربي بالشلل, وبالتالي لن تقوى على حرب حتى وإن كانت نووية, وإلا فستكون كشمشون الذي امتلك قوة غشوما وما امتلك العقل؛ فدمر المعبد على رأسه وعلى رؤوس أعدائه قائلا (علي وعلى أعدائي) .

سادسها: بالعودة إلى تركيا فقد التفتت إلى بناء كيانها السياسي من جديد وبناء اقتصادها على أسس متينة, الأمر الذي جعلها تكتف قوات الناتو على أراضيها, فلم تسمح لقواعده أن تشارك في ضرب العراق, فانخرست (أنجرليك) ولم يتحرك من يومها لها لسان, فما بالك باليوم الذي يشهد تقاربا كبيرا مع جيرانها (سوريا-إيران-وحتى لبنان) فضلا عن دفاعها عن مظلومية فلسطين, والتصدي للغطرسة الإسرائيلية؛ مما جعل العلاقات معها من أسوأ حالاتها منذ أن نشأ هذا الكيان, وخاصة بعد القرصنة الإسرائيلية على أسطول الحرية , وعلى سفينة مرمرة على وجه الخصوص.

وأخيرا سابعها: ولماذا تنسحب أمريكا من مواقع متقدمة من الحدود الإيرانية؟ ألتضرب إيران من واشنطن أو نيويورك ؟! هذا ما لا يعقل, حتى وإن ذهب أصحاب هذا الرأي إلى القول: إنها تنسحب من العراق لتضرب إيران من خارجه؛ خوفا من انقلاب الشيعة العراقيين عليها, فينضموا إلى كتائب المقاومة!