يزعم محمود عباس أنه يفاوض من أجل الحقوق الفلسطينية . يزعم أنه يفاوض منذ عقدين من الزمن تقريباً ولكن لا مفاوضات . نتنياهو لا يفاوض . نتنياهو يقرر ما يريد . الفرق بين من يفاوض ومن يقرر كالفرق بين من يتملك طائرة فانتوم ، ومن يمتلك مرقصاً ، ويحسب أنه بالرقص يمكن أن يسقط الطائرة ويتجنب أخطارها .
عباس يزعم أنه يتعرض الآن لضغوط غير مسبوقة من أجل مفاوضة نتنياهو مباشرة . الزعم اتهام يمس الإدارة الأمريكية ، والنظام المصري ، فهل صدق عباس من زعمه وهو الغارق حتى أذنيه في مفاوضات مباشرة وغير مباشرة منذ مؤتمر مدريد . لا أحسب أن عباس في (طنجرة ضغط) ، لأنه هو لا يستطيع أن يعيش لعام واحد خارج المفاوضات .
الشعب الفلسطيني كله يضغط من أجل وقف المفاوضات ، ويصفها (بالعبثية وبالمسخرة ، وبالنجاسة) ، ومع ذلك فإن عباس يطير إلى القاهرة وشرم الشيخ وعمان من أجل أن ينسق معهم للمفاوضات القادمة ، ثم يزعم في الإعلام أنه يتعرض لضغوط غير مسبوقة .
(عباس ، وصائب وقريع وعمرو موسى) كلهم يتحدث عن مستقبل فاشل للمفاوضات ، والشعب العربي الفلسطيني يؤكد الفشل ويفرح له ، لأن المفاوضات تعمل ضد ما يريده الشعب ، ومع ذلك فإن عباس عاجز عن مواجهة حالة الفشل بعد الاعتراف بها .
الفشل يؤكد أنه لا مفاوضات من أصله ، وأن الموجود إملاءات وآليات تنفيذ ، ويؤكد أنه لا ضغوطات غير مسبوقة كما يحلو لدعاة تبرير مسيرة الفشل ، وأن هذه المزاعم ليست إلا تعبيراً عن غياب الإرادة الصريحة للإعلان المباشر عن (حل السلطة) ، والبحث في الحلول البديلة .
عباس دخل في مواجهة نتنياهو في دائرة (حل السلطة) رغم أنفه لأنه يدرك أنه لا مفاوضات ، ولا نجاحات قادمة ، وأن أمريكا استبدلت بالملف الفلسطيني الملف العراقي ، وإنها ذاهبة إلى وقف الأعمال القتالية هناك ، والبدء بالانسحاب بحسب الخطة المعدة مسبقاً ، وهي تاركة ملف الاستيطان لعباس ونتنياهو .
جل المهتمين بالملف الفلسطيني ، ومن بينهم عباس وقريع يؤكدون على أن (حل السلطة) هو الخيار الباقي المتاح أمام الفلسطينيين ، وهو أمر يجعلنا نتساءل عن السحر في قرار حل السلطة؟!
والجواب أنه لا سحر حقيقياً ، وإنما منطق يقتضيه الواقع وتفرضه طبيعة الأشياء ، إذ لا بد من تأكيد حالة الاحتلال الاستعماري لدولة (إسرائيل) ، والتأكيد على مسؤولية الاحتلال عن حياة الشعب المحتل ، والتأكيد على حق الشعب المحتل في مقاومة ومدافعة المستعمر المحتل بالوسائل كافة .
إن حل السلطة يمنح الشعب الفلسطيني فرصة استعادة قضيته من يد سماسرة المفاوضات ، ويمنحه فرصة أن يتدبر أمره بأمره بعيداً عن أموال الدول المانحة ، ومراوغات السياسة الأمريكية العاجزة عن الوفاء بوعودها .
إن حل السلطة يعني وحدة الشعب ، ويعني قيادة وطنية مشتركة ، ويعني التحرر من الوهم ، ويعني المقاومة واستعادة مفاهيم التحرير وتقرير المصير ، ووضع (إسرائيل) في القفص ، ووضع الأنظمة العربية في مواجهة الحالة الجديدة .