تشتعل اليوم –حسب الإعلام الإسرائيلي –حرب بين جنرالات الجيش، وفي مقدمتهم يهود باراك وزير الحرب ، وغابي أشكنازي رئيس الأركان ، بدأت بتسريب وثيقة سرية إلى صحيفة يديعوت أحرونوت ، تتحدث عن ( كولسة )غير قانونية تهدف إلى دفع الجنرال يواف جالنت إلى كرسي رئيس الأركان بدلاً عن أشكنازي ، الذي سيترك، فتبرز جالنت بصورة إيجابية ( حسب الوثيقة ) وتحط من قدر منافسه الجنرال ( بيني غينتس )وتغمز في كفاءته العسكرية والقيادية، خاصة وأن ( للمنصب ) من الأهمية والخطورة ما تجعل ممن يتقلده أهم من وزير الحرب وأخطر، فهو القائد الفعلي للأسلحة جميعاً من مشاة وبحرية وجوية ، وهو القائد الفعلي لأي حرب قد تنشب في المنطقة تكون (إسرائيل) طرفاً فيها ، وبالتالي فإن من يحتله قد أضاف إلى سيرته الذاتية، منصباً رفيعاً،يحصل بموجبه على الحوافز والامتيازات والمكافآت ما لا يحصل عليها غيره ، حتى وإن كان وزير الحرب ، ولذا فإن وطيس الحرب قد تشتد ، ويسلك الجنرالات فيها كل وسيلة حتى وإن كانت غير قانونية ولا أخلاقية ، فالغاية تبرر الوسيلة !!!
كما تتحدث الوثيقة عن ترشيح بين غينتس لتولي منصب رئيس الشاباك خلفاً ليوفال ديسكن ،الذي سيترك أيضاً ، وقد أحدث تسريب هذه الوثيقة لغطاً كبيراً في أوساط العسكر الإسرائيليين ورئاسة الحكومة، بدءاً من نتنياهو ومروراً بباراك وانتهاءً بقادة الأركان والضباط وضباط الصف ، لما عكسته من فساد وعدم انضباط وسلوك غير أخلاقي ، اضطر نتنياهو إزاءها أن يلوذ بالصمت وعدم عرض القضية على مجلس الوزراء ، في الوقت الذي تنادي فيه أصوات بفتح تحقيق للوقوف على تآمر و(كولسة)، وما الثمن ؟ ومن سرب؟ خاصة ً وأنها ترخي بظلال سوداء على الجيش الإسرائيلي ،وتكشف عن واقع من (الشللية ) والخلافات والنفاق السياسي الذي تتورط به بعض القيادات من الصف الأول في الحكومة ، وقادة الجيوش ، كما التزم وزراء الحكومة الصمت إزاءها خاصة أن زميلهم أيهود باراك هو المسؤول عن تعيين من يشغل منصب رئيس الأركان ، وقد يحمل هذا السلوك على واحد من احتمالين ، فأما الأول : ( فدعوه يغرق ) خاصة وأن باراك هو من حزب العمل المعارض لليكود، الذي يقود الحكومة فعلاً ، وأن الانتخابات على الأبواب ، وعليه فإن إظهار حزب العمل بالفاسد وغير الكفء من خلال إظهار زعيمه كذلك ، فإنه يعزز من مكانة الليكود بزعامة نتنياهو الذي سيخرج من هذه المعركة منتصراً على باراك لأفعاله غير الأخلاقية ،التي ستؤدي- إن لم تكن قد أدت فعلاً- إلى تمزيق صفوف الجيش، وإشعال نار الحرب بين جنرالاته ، الأمر الذي سيؤدي إلى تكريس ضعف حزب العمل وإحداث انقسامات فيه ،أو- على الأقل- إسقاط باراك من زعامته، وهو من الوجوه القوية والتي لم تغادر مقعدها في الصف الأول في قيادة الدولة، متنقلاً بين رئاسة الوزراء إلى وزير الخارجية إلى وزير الحرب ، وفي كل هو رئيس الحزب الذي يعاني من افتقار حاد في قيادته منذ رحيل جيل الرواد من بن غوريون إلى جولدا مائير إلى موشيه ديان إلى شمعون بيرس وليفي أشكول، وإذا ما تحقق ذلك لنتنياهو فإنه يتفرغ للقضاء على كاديما بالضربة القاضية وإقصاء زعيمته تسيفي ليفني إلى الصفوف الخلفية؛ الأمر الذي يوفر له فرصة قوية للتفرد بالزعامة لفترة فأخرى فثالثة ، ولعل شهادته التي أدلى بها أمام لجنة التحقيق في اجتياح أسطول الحرية ، وما نجم عن ذلك من آثار مدمرة على سمعة (إسرائيل) ومكانتها الدولية ، والتي أنحى فيها باللائمة على وزير حربه باراك ؛ محملاً إياه المسؤولية ، تأتي في هذا السياق الذي يهدف نتنياهو من ورائه، إخراج باراك من أي موقع لصناعة القرار السياسي الإسرائيلي ، استعدادا لمرحلة قادمة توشك (إسرائيل) فيها أن تدق طبول الحرب ضد حزب الله أو ضد حماس أو ضد إيران ، أو ضد الثلاثة في آن واحد ؛ مما يستلزم هيمنة كاملة لليكود على قرار الحرب ووسائله وآلياته واشتراطاته !!
كما يضمن هيمنة كاملة لليكود على التفاوض مع عباس ، خاصة وأن ماضي باراك في هذا الجانب لم يكن مريحاً لنتنياهو في يوم من الأيام ، أو جولة من الجولات ، ولولا نتائج الانتخابات وضرورات تشكيل حكومة ائتلاف أمام محاولات تسيفي ( المنافس الأقوى في حينه ) لتشكيلها لما فرح باراك ولا حزبه بأي منصب وزاري ، فضلا عن وزارة الحرب ، وأما الاحتمال الثاني : فإن هذا السلوك غير الأخلاقي هو السلوك الأخلاقي الأصيل والطبعي لليهود منذ فجر التاريخ؛ فلقد عكس القرآن الكريم صورتهم النفسية والوجدانية أبلغ تصوير بقوله ( تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ) فلطالما اختلفوا على أنبيائهم فقتلوهم ، وقتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس ، وشهدت ممالكهم حروباً مهلكة فيما بينها ، وكوحوش البراري يأكل القوي فيهم الضعيف ، ولا ينفك ضعفاؤهم عن التزلف لأقويائهم ، وانتشرت فيهم الرذائل والسفالات ؛ من قتل وإرهاب واغتصاب وسرقات ورشاوى ، وبيع للضمائر ، وأكل الربا والسحت ؛ فضربت عليهم الذلة والمسكنة أينما ثقفوا ...
وهذا ما شهد به تاريخهم الحديث ، فجابوتنسكي أعدى أعداء بن غوريون وناحوم جولدمان والوكالة اليهودية عموما ، وشامير عدو للجميع ، وبيغن لا يرى فضيلة لأحد بعده ، وينشق ديان عن حزب العمل ليشكل حزب رافي ،كما ينشق شارون عن الليكود ليشكل كاديما وأولمرت يتصارع مع تسيفي ، ونتنياهو يتصارع مع الجميع ، بينما يغرق رئيس الدولة كتساف في الرذيلة ، وكلهم مختلس مفسد غارق في الشهوات ، فلا فرق بين زعيم حزب شاس المتدين آرييه درعي وخليفته ايشاي، وبين علماني كشمعون بيرس ، وإذا رجعنا إلى السنوات الأولى فلا نفاجأ بفضيحة لافون التي أخرجت موشيه شاريت (شرتوك ) من الحكم على يد المؤسس الأول ديفيد بن غوريون ، هي العقلية اليهودية والطبع الخسيس الذي بان على حقيقته لكل متتبع ، وأما الذين يظنون في اليهود وحدة الصف والعمل لأجل الدولة فليراجعوا حساباتهم ومن ثم استراتيجياتهم ومعاهداتهم وتعهداتهم ليهود.