اليوم بمشيئة الله قد نكون في غدا الأول من شهر رمضان الفضيل وعلى أرجح تقدير الخميس، كل عام وأنتم أعزائي القراء وأهلي في فلسطين عامة وقطاع غزة خاصة، وأمتي العربية والإسلامية بألف خير وعافية، داعيا الله أن يكون شهر خير وبركة، وان يتقبل الله منا ومنكم صيامه وقيامة وأعمال الخير فيه والتي يضاعف الله فيها الأجر والمثوبة.
شهر رمضان هو شهر التغافر والتسامح، شهر القرب إلى الله، شهر تفتح فيه أبواب الجنة ويخصص فيها باب للصائمين اسمه باب الريان، جعلنا وإياكم ممن يلجه وصولا إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين.
شهر رمضان شهر التقوى، والله تعالى يقول في محكم التنزيل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) والتقوى في القول والفعل والمعاملة.
شهر رمضان شهر الأرحام ، والتي اشتق الله اسمها من اسمه، وهي معلقة في عرشه ، ومن وصلها وصله الله، ومن قطعها نال من الله العقاب، شهر رمضان هو للتوادد والمحبة وجلاء النفوس وطهارة القلوب، هو شهر التراحم والبعد عن المعاصي، شهر التقرب إلى الله.
هذا الشهر الفضيل يجب أن يُغتنم من أجل إصلاح العلاقة مع الله أولا، ثم إصلاح العلاقة مع الناس، وهذا الإصلاح مطلوب على كل المستويات من الرئيس مع مرؤوسيه، ومن المدير مع العاملين معه، ومن رب الأسرة مع أفراد أسرته، من الابن مع أبيه ومن الزوجة مع زوجها، من رب العمل مع عماله.
الله سبحانه وتعالى قد يغفر للعبد ذنوبه بحقه وتقصيره، ولكن حقوق العباد من يمكن له أن يردها إلى أهلها، سوى من انتهك هذه الحقوق، ولا يغتر كثيرا من ولاه الله أمرا من أمور العباد، فالخلق هم عباد الله جميعا رئيسا ومرؤوسا، وجميعهم محاسبون أمام الله،( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ )، ماذا ستفعل أيها المسئول عندما تُسأل عن حقوق العباد التي وليت أمرهم يوم كنت رئيسا أو مديرا، هل حققت العدل فيهم؟، هل أنصفتهم؟ هل تسلقت على ظهورهم؟، هل بعت ضميرك من أجل تعزيز منصب أو إحراز مكانة؟، هذا كله زائل وستُسأل عنه ولن تفلت من عقاب الله إن أسأت وستنال الجزاء إن أحسنت.
أيها المسئول أينما يكون موقعك ها هو شهر رمضان تقدم نحوه وتذكر أنك محاسب واغتنمه للتصافح والتغافر ورد المظالم إلى أهلها، اليوم تقدر وغدا يوم لا ينفع مال ولا بنون ولا منصب ولا شهادات ، يا أصحاب الشهادات والمناصب، لا تقدر، حقوق العباد ستعلق في رقابكم وستدفعون الثمن يوم الكاشفة يوم الفاضحة، يوم العرض على الله.
يا ظالم لنفسك ولعباد الله تخلص في هذا الشهر الكريم من الآثام التي ارتكبتها ورد المظالم إلى أهلها، ولا تنتظر، فالنفس في هذا الشهر الكريم تكون أقرب إلى الله، وصفح المظلومين عنك قد يتحقق مهما كبر ظلمك وطاغوتك، سيشعر ذلك المظلوم بصدق توبتك وندمك على ما فات.
أيها الخداع، قد تنجح في خداع الناس مرة أو مرتين أو سنة أو سنتين، ولكنك أولا لن تقدر على خداع الله، ثم هذا الخادع في الدنيا سرعان ما ينكشف ، فكيف سيكون موقفك، وكيف سيكون وجهك، وبأي حال ستقابل الناس، يا أيها المخادع الظالم لنفسك سارع إلى مغفرة من الله، والتمس عفو الناس برد مظالمهم، وهذا الشهر من أفضل الشهور.
يا قاطع الرحم ، هذه فرصتك للتواصل مع الله عبر التواصل مع الأرحام لأن لها حقاً عليك ، فأد حقها وشهر رمضان مناسبة لك حتى تنال رضا الله، لأن قاطع الرحم ملعون لقول الله تعالى : { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ }، كما أن قاطع الرحم لا يدخل الجنة، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يدخل الجنة قاطع رحم) رواه الترمذي.
إذن هو شهر رمضان جاءكم حتى تصلحوا علاقاتكم ، فينصلح حالكم وأحوالكم، وتنالوا مغفرة من الله، وحب الناس، اغتنموه فهو الهدية لكم، فلا تردوها دون أن يكون قد أصابكم التغيير والإصلاح في دينكم ودنياكم ، فقد لا يأتي عليك شهر رمضان مرة أخرى وعندها يكون فاتك لا تلم إلا نفسك، فلا تدري إذا جني الليل هل تعيش إلى الفجر.