هذا ما يجري بين رجلين رغم الحر الشديد؛ رجل يمد خده، ورجل آخر يضم شفتيه، ويقبله على خده الأيمن، ثم ينتقل إلى خده الأيسر، ويقبله، وهكذا رغم العرق الذي ينز من المسامات، وينزف من شعر الذقن، أو يسيل على صحن الخد الرطب، منظر رجلين يقبل أحدهما الآخر، أو يلصق أحدهما خده بخد الآخر لا يعكس حباً، ولا احتراماً، ولا مودة، ولا إنسانية، ولا مراعاة للحالة الصحية، والنفسية، والاجتماعية، وحتى الأخلاقية!
راقبت هذا الأسبوع مناسبتين؛ الأولى: رجل يستقبل المدعوين لتناول طعام الغداء بمناسبة زواج ولده، ويصطف الناس بالطابور لتقبيله، والشمس تقترب من الأرض، ولكن الناس تنتظر، والطابور يزداد، والقبلات هي الطريق الأوحد لتناول طعام الغداء، قبلات تتراقص فوق شفاه الرجال، وتستقر على خدود الرجال، قبلات تلمع تحت أشعة شمس تموز وكأنها سيف عنترة بن شداد في ساح الوغى! فمن الذي أرسى هذه العادة التعيسة بيننا؟
المناسبة الثانية؛ رجل يستقبل المعزين بوفاة زوجته، ويصطف الناس بالطابور لتقبيله، وكأن المصافحة باليد لا تعكس حرارة الشعور، ولا تقدم دليلاً على الوداد، فلا بد من تلاصق الخدود، والاحتضان، والعبط، والتفاف ذراع المواسي الأيسر على كتف المواسَى الأيمن، والطبطبة عليه، وهزه، وإيقاظه من غفوته، وإنقاذه من رجفته، واحتضانه، والشفاه تتمتم بكلمات المواساة، وهي تلتصق بالخد، وخذ ما شئت من القُبل، وامزج رائحة العرق برطوبة الجو، في منظر يوحي بأن الأرض قد توقفت عن الدوران، وأن الاحتكاك الجسدي يمنح الإنسان صفة الإنسان!
الأجدر بالناس أن تتصافح بالأيدي فقط، لأن ملامسة الأيدي تبث الثقة، والصدق، والعاطفة الجياشة. والدليل على ذلك؛ أن ملامسة يد الرجل ليد المرأة تنقض الوضوء في بعض المذاهب؟ ألا يعني ذلك أن احتضان اليد لليد قادر على توصيل تيار المحبة.
تخيروا موضع شفاهكم، فهي مقياس ذوقكم، وإحساسكم، فلا تلصقوها بأي خدٍ مجاراة للعادة، وتذكروا خد طفل صغير دون السنتين تقبلونه بعواطفكم، وتضمونه إلى صدركم، وقارنوا بين قبلة مجاملة، وقبلة شوق، لتدركوا أن القبلة فيض حنان يتدفق من الشفاه، ويسري كالندى بين مفاصل الورد، يلامس بأصابع الحنان زغاريد الفرح، أو قيثارة الأحزان، ليكون للقُبلِ رائحةُ الحياة، وأنفاسُ المطر، ويكون للقُبلِ شهقةُ الوجود، وبصبصة القمر، ويكون للقُبلٍ هفهفة المساء، وهدهدة السحر.