من يعيد إلى علي ساقه التي بترتها (التك تك)؟؟

نشر 01 اغسطس 2010 | 01:57

في طريقه إلى بيته هدأ علي ابن الرابعة عشر من سرعته (الهادئة) عند مطب بعد يوم من العمل في محل والده. من عرف علياً (مثلي) يتعجب من رصيده المتميز من الابتسامات، التي لا تفارق وجهه، حتى عندما يسمع كلمات التندر من بدانته، التي لم تمنعه من سرعة الحركة، أو الوقوف طيلة وجود الضيوف في بيت أبيه؛ لتلبية طلبات الزبائن، أو خدمات الضيافة، ويكون أكثر سعادة وهو يشارك في أعمال المسجد الذي أخذ أبوه على عاتقه إعادة إعماره، فإذا حضرت الصلاة سارع إليها، ثم عكف على حفظ (واجبه اليومي) بعد أن انضم لبرنامج (تاج الوقار) ...

 

كل الدلائل تشير إلى أن علياً طفل سعيد، محبوب، ويحب الآخرين ولهم الخير، مبادر فلا يتباطأ في تنفيذ ما طلب إليه عمله، إلى جانب رجولة مبكرة اكتسبها من مجالسة رجال الإصلاح الذين لا ينقطعون عن ديوان عمه (مدير العشائر) النشط، الذي لا يكاد لا يستقر له جنب، ولا يجتمع إلى أسرته. يجلس علي مستمعاً، متفحصاً؛ لذا صار رجلاً وهو –بعد- على عتبة المراهقة! تمهل علي عند المطب وإذا بـ (تك تك) تقل ستة شباب تتلوى كأرنب بري لما بذله سائقها من تلافي الارتطام بالمطب الذي رآه فجأة بينما عداد السرعة يشير إلى أقصاها، ففقد السيطرة، فتحول ( التك تك) إلى صاروخ أصاب ساق علي وذراعه، كان صوت الارتطام هائلاً، مما دفع السائق إلى مغادرة المكان، وبذات السرعة دون أن يحمل علياً ليسعفه، وقادته (تكتكه) إلى الشرطة، فأسلم -لها- نفسه، وترك علياً ينزف وقد فارق الوعي، حتى أوصله بعض المارة –بعد حين- إلى المستشفى، اجتمع إليه عدد من الأطباء...

 

لم يكن أمامهم من خيار إلا بتر رجل علي إلى ما فوق الركبة وإلا فالموت...! (ويجب) أن يتوقف شلال الدم المتدفق من شرايين علي المقطعة، ولا بد من بتر أصبعه الوسطى من يده اليسرى (وتغريز) الجرح الغائر في ذراعه، ولم يكن هناك مناص من إعمال السيوف والمناشير في رجل علي ويده... كان صوت الحزن له ضجيج، إلا في كيان علي المسجى المخدر، وتدفق دم 25 شابا في شرايين علي ثم إلى قلبه، ليعود إليه النبض، حتى إذا انتهى الأطباء من عملهم نقلوه إلى وحدة العناية المركزة، وقد زرعوا جسده بالخراطيم وغطوا وجهه بقناع (الأكسجين) أخذ العرق يتصبب من مسامه كما لو كان مطراً غزيراً تسحه غيمات تسكن جلد علي... انقضى اليوم الأول ليفيق علي، وقفت إلى جانب سريره، ارتسمت ابتسامته المعهودة، لهج (الحمد لله على كل حال) جوابا لسؤالي: كيف حالك يا علي، قبلته على جبينه المبلل بالعرق، وداعبت شعره الفاحم الناعم، قلت (ما أصابك –يا علي؟ لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك) شد حيلك يا بطل...

 

تفجرت دموع قلبي وأنا أبادل علياً الابتسامة... لم أطق الوقوف أكثر... خرجت فسالت دموعي... احتضنت والده طويلاً... أخذ يصبرني.. ولكنه تأوه: ناااار في قلبي... وأمه قد اشتعلت النيران في كيانها. كل الممرات المؤدية لغرفة علي ملأى بالناس! كيف علموا؟ حدثني والده: كان الشباب يتدافعون للتبرع بالدم حتى فاض كثيراً عن الحاجة... عانقت عمه الذي أجريت له عملية جراحية قبل مصاب علي بيوم، قال بابتسامة تقطر حزناً وتوجعاً: ماذا تتوقع أول كلمة قالها لي علي عند إفاقته؟ لم أجد جواباً. فأجاب: قال أنا مسامح ياعم... الله يسامحه، اذهب إلى الشرطة لتخرجه من السجن، بالتأكيد لم يقصد أن يقطع رجلي، فلقد حاول أن يتلافاني، ولكن قدر الله وما شاء فعل! ففاضت مشاعري...

 

وصرخت بصوت يسمعه من حولي (يا الله... يا الله... يا الله) عدت إلى بيتي في حال من الحزن قليلاً ما مررت بها!! وفي طريقي مرت من جانبي (فزبة) تنهب الأرض، وتتجاوز حتى أسرع السيارات، يتلوى بها صاحبها كأرنب بري لم أكد أراه حتى تلاشى إلا صوت محركها الذي كان يصم آذان المكان الواسع الفسيح!! سرحت.. هل سيرتطم بعلي آخر؟ أم سيكون هو عليا؟ وقد لا يسلم رأسه كعشرات غيره، فيصاب في أحسن الأحوال بإعاقة دائمة أو –لا سمح الله- يلحق بمئات إلى الرفيق الأعلى، وتضيف الشرطة اسماً جديداً في سجل قتلى حوادث الفزبات، ثم يجتمع رجال الإصلاح في ديوان عم علي مع ذوي القاتل والمقتول، في دورة شيطانية اسمها (تك تك) أو (فزبة).