من لا يذكر هذه الصرخة التي فاضت بها مشاعر علي محمود طه، ذلك الشاعر الحساس الرومانسي ، الذي كتب أجمل كلمات للنيل حتى أصدر فيه ديوانه (الملاح التائه). كان علي مهندساً ، ومن ألمع شعراء (أبوللو) الذين شغلوا الدنيا في أربعينيات القرن العشرين، انتبه لما يجري على أرض فلسطين من جرائم الصهاينة ضد شعبها فانتفضت شاعريته وكتب :
أخي جاوز الظالمون المدى فحق الجهاد وحق الفدا
استهلال رائع بمنطقيته وواقعيته ، فها هي جرائمهم التي تجاوزت أشهر جرائم التاريخ ، ففظائعهم في دير ياسين ويافا والقدس وفي الخليل، وفي أكثر من أربعمائة قرية فلسطينية، ضد شعب أعزل شاهدة رغم التعتيم الإعلامي والفضاء المغلق ، ولم يكن هناك إلا المراسلون الصحافيون، ومعظمهم من الغرب الذي غرس هذه الشجرة الملعونة في قلب الدنيا بيده الآثمة ، وعليه فقد انطمس الكثير الكثير من ملامح الصورة ، ولم تكن هناك الإذاعات التي تنقل الخبر إلا ما تلتقطه من إذاعة الشرق الأدنى ومثيلاتها الإنجليزية الهوية، الصهيونية الهوى ... إلا أن أفواج الضحايا ووقائع التشريد ورسائل الجنود المصريين والفدائيين، كانت أصدق من أي خبر وتقرير فكانت هذه اللوحة الدامية ( أخي جاوز ..... ) كقرار يتناغم معه جواب فوري ( فحق الجهاد وحق الفدا ) ليعطي بعدها مبرراً موضوعياً لدعوته للجهاد ، يهز المشاعر ويوقظ الضمائر ، ويستفز الحمية عند أخيه الذي ناداه ( أخي ... ) فيقول ( أنتركهم يغصبون العروبة ... مجد الأبوة والسؤددا ) والسؤال لا يحتمل إلا جوابا واحدا ليس له بديل، هو قطعا (لا ) لن نتركهم ، يجيب بها كل حر وشريف وغيور ، يأبى الدنية والعار ... وكأن علي طه منذر قوم، يهتف من أعماق قلبه وانتمائه !!
كما كان عليماً بنفوس هؤلاء الصهاينة المجرمين الذين لطالما أصموا آذانهم عن دعوات الحق ، وصراخ المستضعفين بل داسوا كل ذلك ، وانطلقوا كالوحوش الكواسر الضواري يغتصبون الأرض والحرائر ، ويذبحون الأجنة في بطون أمهاتهم ، ولا يستجيبون لقرار أو نداء من أحد بالتوقف عن اقتراف الجرائم .. فيقول مسخفاً ، ومقرراً دن مواربة أو لعثمة ( وليسوا بغير صليل السيوف يجيبون صوتاً لنا أو صدى ) فدعاوى السلام معهم هراء ، وعبث ، ولقاءاتهم مضيعة للوقت .. وللأوطان .
والاتفاق معهم ليس له من ثمن إلا الهوان والذلة .. فكل نداء وصوت بذلك يذهب أدراج الرياح ، إلا صليل السيوف ، فهو الصوت الذي يرغمهم على التوقف والإذعان ولا يحتمل الإبطاء أو التأخير ، فإن كتم صوت المقاومة خيانة ، فهو ماض إلى الجهاد وإلى نتيجته الحتمية ( النصر أو الشهادة ) وفي طريقه يردد ( أخي أيها العربي الأبي أرى اليوم موعدنا لا الغدا) فهيا أمة العرب في المشرق والمغرب فالمقدسات تضيع ، هيا أحفاد طارق بن زياد ويوسف بن تاشفين ، هيا أحفاد عمر المختار ، وابن باديس ..
هيا يا أبناء الكنانة وأحفاد صلاح الدين وقطز والظاهر بيبرس ، ويا زملاء المنيسي وشاهين وأحفاد ابن لقمان ، ويا فرسان الشام من أحفاد العظم ، وبواسل قلعة الأسود بغداد ... القدس تضيع، والأقصى يوشك أن يكون اصطبلا لخيول شارون ونتنياهو أو ماخورا ، وقد سبق أن جعل الصليبيون منه اصطبلا وماخورا .. هيا ... يهتف بهم علي محمود طه بحرقة حارقة مودعاً ( أخي إن جرى في ثراها دمي وشب الضرام بها موقدا ).
(ففتش على مهجة حرة أبت أن يمر عليها العدا )
فإن وجدته ( فقبل شهيدا على أرضها دعا باسمها الله واستشهدا ) وقبل ذلك وبعده يؤكد حقيقة لا يدركها إلا الثوار على الطغيان
(فلسطين يحمي حماك الشباب فجل الفدائيُّ والمفتدى)
لا أولئك الباحثون عن اللذائذ والشهوات ، الغارقون في الفساد والانحلال ( فلا يبني الممالك كالضحايا... ولا يدني الحقوق ولا يحق ) على ما يقول شوقي، بل يصرخ ( فلسطين تحميك منا الصدور فإما الحياة وإما الردى ).
كتب علي محمود طه هذه الكلمات وقد هزته جراحات فلسطين، وألهبت حماسه وأججت مشاعره ، واستشعر الخطر ، فنادى أخاه بهذه الكلمات سنة 1949، وهو يرى فلسطين أرضاً وشعباً وحضارة ومقدسات تذبح من الوريد إلى الوريد ، ويدرك أبعاد الجريمة ويرسم ملامحها ومآلاتها، فيصف العلاج والدواء والسبيل. ويمر واحد وستون عاما ولا تزال أنشودة على طه تمثل الحقيقة بكل ألقها وعنفوانها ، كما تمثل شهادة دامغة على فشل كل سبيل غير ما رسمت .. وبطلان كل تقارب مع هؤلاء المجرمين ..
ومنذ أن خرجت إلى النور تلقفها عبد الوهاب فصاغها لحناً أخاذاً ملهما .. باعثاً للهمم .. صاعداً إلى الأعالي بصعود الكلمات ، محذراً ومنذراً بما تحذر ، حزيناً رقراقاً عند قبر الشهيد ، عاقداً العزم علي المضي في درب الجهاد والشهادة .. لقد تجاوز عبد الوهاب حدود الزمان والمكان، وكسر أبواب الزنازين ، وفتح الأبواب المغلقة لتخرج منها الزحوف فداءً لفلسطين؛ لذا فإن لحنه - كالأحرار - ما أن يخرج من السجن حتى يعود إليه ، ليقضي عشرة ،عشرين سنة، أو يزيد!!
فهل لإدارة صوت الأقصى وفضائية الأقصى وسراج الأقصى إلى أن تطلق سراح صوت عبد الوهاب في لحنه الرائع لرائعة علي محمود طه لتقيم الحجة على هذا الهوان ، ولتساهم في إيقاظ الهمم وتذكي جذوة الجهاد .. أتمنى، ولا أرى في ذلك عيباً أو حراماً، بل مندوب إن لم يكن واجباً ..