وإيش فيها ؟

نشر 14 يوليو 2010 | 04:13

كانت هاتان الكلمتان جواباً لسؤال طرحته بدهشة وفيما يشبه الصرخة ، وفعلاً كنت مندهشاً !! هو شاب أكمل بالكاد التاسعة عشرة من عمره ، قوامه كعود من البوص ، لم ينبت له شعر لحية ولا شارب ، له غرة تغطي نصف جبينه ، أدخل جسده النحيل في ملابسه بصعوبة، ما إن خرج من باب الجامعة ودلف إلى الشارع حتى احتلت سيجارته منتصف فمه ، وأشعلها بقداحته .. وقبل أن ( يسحب ) النفس الأول ، سألته – كما أسلفت – باندهاش !! أتدخن ؟؟ فأجاب بابتسامة عريضة : وإيش فيها !! قلت له : اركب، وقد توقفت بجانبه ، كان معه زميلاه ، في مثل سنه وعوده ، إلا أن أحدهما قد أعفى ( سكسوكة ) وشارباً خفيفاً مبعثراً وهو الذي أكمل بعد أن ركبوا : وإيش في هالدنيا يمنع من التدخين ؟

 

فقلت : أذكر بعضاً مما يضايقك ويدفعك للتسرية عن نفسك بالتدخين ؟ فقال: الكهرباء !! فقلت : وما دخل الكهرباء في التدخين سواء أجت أو انقطعت ؟ وهل ستأتي الكهرباء – حال انقطاعها – عندما تشعل سيجارة أو حتى عشرين ؟ فقال : من الزهق !! فقلت : وهل الدخان ( بطير ) الزهق ؟ !

 

ثم انتقلت للمدخن : أأنت طالب في الجامعة ؟ أجاب : نعم ، وفي أي كلية ؟ كلية الهندسة !! يعني أنك متميز ؟ قال : يعني ، وهل يعلم أبوك بتدخينك ؟ لا ، لا يعلم ، ولو علم لذبحني !! ماذا يعمل أبوك ؟

 

أجاب باستنكار : معلش يا أستاذ أنت بتحقق معي ؟ لأ طبعاً ، أسأل لأنني أب مثله ، وأعلم كم يتمنى الوالد أن يتفوق عليه ولده ، فيجوع ليشبع أولاده ، ويحرم نفسه من قميص جديد ليشتريه لولده ، ويكد ليل نهار ليوفر له رسوم الدراسة، خاصة إذا كان متميزاً مثلك ، وأعلم بأن رسوم الهندسة مرتفعة !!ثم أعلم بأن دخله موزع على التزامات مهمة جداً ؛ كتربية إخوتك مثلاً ، ودفع نفقات الدراسة ، وإذا مرض أحدكم – لا سمح الله – فهو من يجب عليه أن يدفع ، فلو قسمت دخله عليكم بالعدل فإن نصيبك لن يكفيك كطالب هندسة ، فضلا عن الطعام واللباس ، وبالتالي فأنت تأخذ من أنصبة إخوتك الآخرين ونصيب أمك وأبيك ، فإذا أضفت للدراسة والطعام واللباس ما يلزم لشراء الدخان لأخذت منهم المزيد وهذا ليس لك بحق ، بل أنت – هنا – ظالم ، وقد أقول : إنك سارق في حال أن والديك لا يعلمان وكذا إخوتك ، قال مبتسماً : كبرتها !!

 

فقلت : هي كبيرة فعلاً ، هذا من جانب .. ومن جانب آخر وكن صريحاً ، هل تحب أن يراك أساتذتك وأنت تدخن ؟ قال : وإيش فيها ؟ وأضاف : هناك أكثر من ألف واحد بدخنوا في الجامعة !! قلت : لم أر أحداً إلا أنت !! قال : مش هنا ، في غزة !! قلت : وإذا افترضنا هذا الأمر صحيحاً ، فهل الدخان ( فعل ) سيئ أم حسن ؟ قال : بلا مجاملة ، هو سيئ !! قلت : إذن لماذا تقتدي بمن يفعل هذا الفعل السيئ ؟ قال : من الزهق !! قلت : ليس لك حجة مقنعة !! قال : إن شاء الله أتركه !! قلت : لقد صدرت مشيئة الله فعلاً ، وما عليك إلا الامتثال !!

 

قال : كيف ؟ قلت : ما حكم الدخان ؟ قال : مكروه !! قلت : اتفقنا ، فهل لو فعل صاحبك هذا ما تكره ، وأصر عليه رغم نصحك له مرة ومرة ومرة ، ولا يزيده ذلك إلا عناداً لك، وإمعاناً في فعل ما تكره فما حال صحبتك معه ؟ قال : أتضايق وقد أكرهه ، قلت : ( ولله المثل الأعلى ) وكذا علاقة الله بك ، فأنت تفعل ما يكره ، فهل يرضيك أن يغضب عليك ربك ؟ قال : لا ، قلت : إذن ؟ قال : إن شاء الله !! قلت : لقد شاء ( وضحكنا ) ثم قلت : أنت شاب تدرس الهندسة ، فمن المؤكد أنك قد سمعت عن مضار الدخان ، حدثني عن مضاره على جسدك هذا النحيل البريء ، قال : كثير ، قلت : مثل ماذا ؟ لم يجب لأننا وصلنا رغم أنني تعمدت أن أسير ببطء !!