أنا والمونديال

نشر 11 يوليو 2010 | 08:55

بالدرجة الأولى أنا ككل إنسان أتفاءل وأتشاءم ، أحب وأكره ، أنفعل فأفز عن مقعدي ، وأهمد حتى لا تبدو مني حركة ، ورغم ذلك عزفت –طيلة حياتي – عن متابعة أي دوري؛ عربياً كان أو فلسطينياً ، ولكن إن قدر لي أن أكون في جلسة تتابع مباراة – عرضاً – فسرعان ما أندمج ، وأنسى وقاري ، فأصفق ، وقد لا يشاركني أحد ، أشخط في الحكم ولو كان أعظم حكام العالم .. ( فاول يا حكم ) وقد لا يكون ( فاولاً ) ولا حاجة ، ثم أصرخ ، افرد .. افرد .. شوط ، ياه ، وقد أخبط رأسي بالبوكس ، وأعض على شفتي ، وأقرقط أظافري بأسناني ، وإذا ما أحرز أحدهم هدفاً ... يجد من حولي أنني أكثرهم تعبيراً عن ابتهاجي ، وأشهد أنني أحياناً أشعر بخفقان قلبي ..

 

ولا أتراجع ، بل ألوم من ضيع ( فرصة العمر ) فلم يحرز الهدف وأشتمه ، مع أنه ليس بيني وبين اللاعب أي عداوة سابقة ، ولم يسبق لي أن عرفته أو رأيته ، ولا يؤنبني ضميري وأنا أناديه ( .. يا حمار .. ) في الوقت الذي أعرف فيه نفسي بأنني كنت الأفشل في كل مراحل حياتي كلاعب كرة قدم .. كان لي زميل في صباي، كأن قدميه مغناطيس قوي لا تكاد تترك الكرة ، حتى يدعها في ( الجون ) كنت أغار جداً منه بقدر ما أحبه ، وأخيراً فقدت الغيرة من أحد ، إذ استسلمت لفشلي في أن أتقن أي مهارة ، كما فقدت الرغبة في متابعة أي دوري كما أسلفت ، ولم أحرص على الذهاب لأي مباراة ( فإن أجت غنت ، وإن ما أجت غنت ) حتى تسلمت ( الصفارة ) أوائل سني عملي كمدرس.

 

إذ رأى المدير أنني أصغر الـ ( staff) سناً وكنت في الواحدة والعشرين ، ولابد أن أشرف على طابور الصباح ، فقبلت بسرور؛ فاستيقظت غيرتي من زميل الصبا الذي أصبح نجماً في أحد النوادي ، وشعرت نفسي أنني ( حكم دولي ) طالما أنني فشلت في اللعب ، فلأكن حكماً ، حتى جاء يوم قادتني قدماي لناد ( وأنا المدرس ) فرحب بي رئيس النادي الذي تربطني به صداقة (أهلاً يا أستاذ أهلاً أهلاً .. هان هان ) وإذا أنا في الصف الأول من المقاعد ، حيث ستجري مباراة سداسية ، فتحسست صفارتي ، وتمنيت أن أبدأ ( بالصفير ) ألوح بذراعي كما رأيت حكماً دولياً ذات مباراة ، ولم تطل أمنيتي .. فقد تأخر الحكم الأصلي ، فجاء لي صديقي رئيس النادي .. ممكن ؟ قبلت فوراً وبلا تردد ، ووقفت في منتصف الملعب .. وأخذت ( أطزطز ) في الكرة وها هي الصفارة بين أسناني .. وما أن صرخت بها حتى اكتشف الجمهور أنني لا أعرف ( بروتوكول ) الإعلان عن بدء المباراة .. التي ما أن انتهت حتى اكتشفت أنني لن أكون حكماً في حياتي، ولولا أنني ( مدرس ) لخطف اللاعبون مني صفارتي ..

 

وعندما ذهبنا إلى مكتب الرئيس وجدت ألف خطأ في ( التحكيم ) تتقافز على ألسنة الحضور على قلتهم ، فعزمت عند الصباح أن أقول لمدير مدرستي ( شوف غيري للطابور ) ولكنني خجلت ، فأبقيتها رغم أنني فقدت حماسي لها .. كان ما جرى لي قد أكد لي صواب موقفي من عدم الجري وراء ( الدوريات ) وأصبح ما قالته جدتي ( العرس في عمورية وأهل البريج ابترزع ) شعاراً لي عندما يدعوني أحدهم لمتابعة مباراة ، ولكنني نسيته ذات يوم ، فقبلت إلحاح زميل لي أن أذهب ليتفرج ( هو ) على مباراة نهائي كأس العالم، وأظن أن ذلك كان سنة 1986 ، والتي أدخل مارادونا فيها ( جونا ) ببوكس يده واحتسبها الحكم ، وفازت الأرجنتين بالكأس.

 

وبصراحة غمرتني راحة كبيرة، وثقة عالية في نفسي وبأثر رجعي أن أخطائي في المباراة ( إياها ) لا تساوي معشار خطأ حكمنا الذي لم ير بوكس ( مارادونا ) ورغم ذلك كنت جالساً في أقصى درجات الخجل والوقار ( المفتعل ) إذ لازمني شعور بأنني متطفل أو ( محلل ) لا حول له ولا قوة ، ولم أفصح عما بداخلي لمن حولي لدرجة أنهم أدركوا أنني ( مش متجلي ) وأدركت أنني شكلت عبئا عليهم.. وعند انتهاء المباراة أقسمت على أن ( عواد ما يعيدها ) طوال عمره ، وفعلا لم ألب دعوة مثلها ، ولكن قبل بضعة أيام فتحت التلفزيون فوجدت مباراة غانا والأوروغواي فلم أغير المحطة .. كنت وحدي ..

 

وتابعت ، فأخذت تتلبسني أحوال الحريفة .. افرد افرد .. شوط .. يا حمار .. جووون .. وأخبط راسي ، وكدون كيشوت أخذت أصارع طواحين الهواء .. ولأنني وحدي ولا يوجد معي أحد ، وبالتالي أنا الوحيد ( الفهمان ) أكلت بعضي .. وبصراحة حزنت جدا على غانا ، كان نفسي تغلب .. و لكن .. وذات صباح استمعت إلى تقرير المونديال في (البي بي سي) وإذا أنا أسمع عجباً : أن المونديال تكلف أحد عشر مليار دولار ، وأن 80 ألف إسباني يحزمون أمتعتهم للذهاب إلى جنوب أفريقيا ، وأن الإخطبوط بول قد يفقد حياته من الألمان لأنه تنبأ بهزيمتهم ، وأن العرب حزمة من الأصفار، رغم أنهم الأعلى ( فشخرة ) و ( كذباً) أن أنديتهم ولاعبيهم ينافسون أكبر دول العالم ، وتذكرت مونديال غزة الذي حاكى فيه منظموه المونديال الدولي ، فتحسست حصارنا في غزة ، وأنديتنا الأصفار ، مواسيا نفسي وغنيت ( لست وحدك حبيبها ) ...