العمل السياسي والأمني يجب أن يكون مدروساً بعناية تتناول الأهداف والغايات ، وما يلزم تحقيقها من وسائل ، وليس في السياسة أبيض أو أسود ، بل درجات الرمادي غير المتناهية، وإذا كان هناك من اشتباك حقيقي فمع المشروع الصهيوني وأدواته وأهدافه ، وليس هناك - بعد -إلا ما يمكن أن يلتقي حوله السياسي ويتقاطع ، ثم قد يختلفان ولكن لا ينسد الأفق طالما أن هناك من الأهداف ما يمكن أن نصفها بالمشترك ، وبقدر ما تتحقق الإرادة السياسية لدى الفرقاء فإنهم يعملون بهذا المشترك الذي يمكن أن تتسع مساحته وتتسع ، مع عدم إغفال عدم إمكانية التطابق، وإلا فلن يكونوا فرقاء ، وهذا من المستحيلات عقلاً وقانوناً...
ولن أخرج عن الساحة الفلسطينية عند استحضار مثال ، فحركة حماس وحركة فتح هما حركتان فلسطينيتان بينهما ما صنع الحدّاد ، وهناك من نافخي (الكير) الذين يعملون بدأب وحرص لتعميق هوة الخلاف، كما أن هناك في المقابل من يعملون لردم تلك الهوة ، ولكل وسائله وأهدافه ، فأما من يعمل لتعميق الخلاف فأدواته الوقيعة والتخوين والإشاعة والدعاية واختلاق الأكاذيب وحمل الأقوال والتصرفات على أسوأ ظن..
في الغالب يكون هؤلاء من منفذي مخطط إجرامي وليس عشوائياً، رصدت له ميزانيات و نظمت له ورشات عمل ، خرجت بتوصيات وقرارات ، وحددت للمروجين محلات البقالة والأسواق والستوصفات والمستشفيات والأندية والمآتم والسيارات كميادين عمل . قد يركب أحدهم السيارات العمومية أو الأتوبيسات – لساعات – ذهاباً وإياباً ، وليس له من هم إلا بعثرة بذور الفتنة واستنباتها في صدور الناس ، فهذا وأمثاله يجب إلزامهم بأدب الحوار ، وطلب البرهان والدليل ، فإذا تغطى بـ( سمعت) و(يقولون )أو ( قالوا) فلابد من التعرف عليهم، ولا بأس بشيء من (اللباقة) ، ثم استئناف الحوار من مكان لآخر فيما يشبه الملاحقة ، حتى تتجلى الحقيقة .
وليس مطلوباً ذلك من أنصار حماس فحسب بل من أنصار أي فصيل حتى المستقلين ، وممن يدّعون أنهم ( مع الله ) جواباً لسؤال: (أنت مع من ؟؟ ) فلا يقبل من أحد الاكتفاء بالحياد والصمت، أو الدعاء ( الله يصلح الجميع ) بل لابد من تحري الحقيقة والبحث عنها حتى تتجلى. فلا مصلحة لأحد في تعميق الخلاف إلا للصهاينة وأذنابهم ، ولابد من الإيمان المطلق بأن مصلحة الشعب هي في مصالحته وجمع صفوفه ، والإيمان المطلق بأن أخيار هذا الشعب هم الأقدر على رأب صدعه وإصلاح ذات بينه ، وأما الارتهان لإرادات أمريكية أو رباعية أو سداسية أو تكعيبية سيؤدي إلى مزيد من التنازع والخلاف ( لا الاختلاف ) الذي سيفضي بدوره إلى الفشل، ومزيد من الاحتراب ومصادرة الحريات .
وهو ما يدركه ويعمل بمقتضاه قائدا أكبر جهازين أمنيين في غزة( الشرطة – الأمن الداخلي) وقد صرحا بكل ثقة ويقين ( ألّيس ) لديهما معتقل على خلفية سياسية ( على خلاف ما يشاع) وأبديا الاستعداد لفتح أبوابهما للتفتيش والتثبت أمام أي جهة حقوقية ، أو مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني، وكذا الصليب الأحمر ، وكان ذلك في جلسة - معهما- امتدت لأكثر من أربع ساعات ، ضمت عدداً من المهتمين والنخب السياسية والكتاب والمختصين في العلوم الأمنية، مثل اللواء مصباح صقر والإعلاميين، وكان أشد المنتقدين لأدائهما عناصر قيادية من حماس ، فقد تحدثوا بما يشبه الاستجواب ، ارتفعت معه الأصوات في بعض الوقت ، وقد صعد الدم في وجه قائد الأمن الداخلي وهو يطلب عن كل خبر بينة أو معلومة أو وثيقة ، حتى من منتقديه بشدة من عناصر حماس القيادية الذين وصل ببعضهم الحد إلى درجة أن يقول القائد : لقد ظلمتنا !!!.
وقد تيقن المجتمعون على اختلاف توجهاتهم الفكرية والعملية أنهم لم يكونوا؛ (أي عناصر حماس والقائدان ) يؤدون أدوارا تمثيلية ، بل تحدث الجميع بشفافية ومهنية وحرص ، هكذا يكون النقد ، وهكذا يكون الرد ، وهكذا يمكن جمع الشتات الفلسطيني على المشترك ، الذي لا يملك( أنا ولا غيري) إلا أن يقول : أنا مع هذا .