من تركيّة مع التحيّة

نشر 25 يونيو 2010 | 09:12

قصة تحوّل زرت تركيا عدة مرات قبل هذه الزيارة الأخيرة التي انتهت فجر الإثنين 21/6، وكانت أول زيارة لي إليها سنة 76، إذ قطعتها من أولها إلى آخرها أقود سيارة أتيت بها من أقصى شمال ألمانيا. لكني لم أكتشف أعماق المجتمع التركي والتحولات التركية وجوهر تركيا الحقيقي، إلا في هذه الزيارة، على أني لا أزعم أن الصورة تجلت بالكامل، لكنها ازدادت وضوحاً عمّا كانت عليه من قبل.

 

والتحولات التركية قصة طويلة لا مجال لتفصيلها، لكنا نجملها في كلمات: كانت تركيا قائدة القاطرة الإسلامية لعدة مئات من السنين. وكانت إمامة وموحدة العالم العربي والإسلامي طيلة تلك العهود.

 

وقد وقعت أخطاء، تكثفت في فترة الاتحاد والترقي (أو الانحطاط والتردي على الحقيقة). وأزعم أن جلّ هذه الأخطاء مفتعل لإيقاع الشرخ الذي حصل. وليصل العرب والترك إلى نقطة اللاعودة. وقد حصل. ونجح أصحاب المخطط في الوصول إلى مآربهم. وكان أن جيء بمشبوه أعتقد جازماً أنه من يهود الدونمة ليدمر البقية الباقية من الدولة العثمانية، وليقطع صلتها تماماً بالإسلام وجذورها الحضارية.

 

وفي ليلة سفرنا، وأثناء تجوالنا في المطار، وجدت في مكتبة في السوق الحرة في المطار كتاباً عن مصطفى كمال أتاتورك، بعنوان: "أتاتورك مؤسس الدولة الحديثة في تركيا" أو "مؤسس تركيا الحديثة" وقد ترجمتها عن “Ataturk, The Founder of modern Turkey

 

لقد استطاع هذا الفرد بنجاح فذ أن يدمر دولة تركيا وأن يعلمنها ويلحقها بالغرب تابعة، بعد أن كانت نداً وخصماً عنيداً، وسداً منيعاً أمام الأطماع الغربية لعهود أو عقود.

 

ولقد فرضت على تركيا علمنة شرسة لا مثيل لها في العالم، لا تترك الناس وما يختارون، كما هي العلمانية في العالم، وإنما تفرض على الناس ما يراه شخص مأفون مضروب في عقله معطوب في نفسيته وولائه للدين والأمة.

 

فحورب الأذان والقرآن والشعائر والمظاهر والمشاعر، وحورب الحرف العربي الذي كانت تكتب به اللغة التركية، حتى القرآن لم يعد يسمح بكتابته بالعربية، وسمي هذا الإجرام كله من محاربة اللغة العربية التي تعودتها الأجيال التركية، سمي هذا "ثورة الحرف"!

 

ومضى النظام العلماني في حرب النهج الإيماني بكل ما أوتي من طاقة وقوة ودعم خارجي.

 

وظل الحال على هذا المنوال، حتى قيّض الله لهذا الدين "بديع الزمان سعيد النورسي" العالم الرباني التركي الكردي، الذي نهض بدعوة إلى الله بالغة الدقة، بالغة التأثير، بالغة التكتم، حتى لا يجهض الحلم من بداية الطريق، فكان يعلم التلاميذ القرآن واللغة العربية، وبدأت البذرة تؤتي ثمارها وأكلها، فسجن الشيخ وعذب، والأغلب أنه مات مسموماً، ودفن، ثم نبش قبره، ودفنته الدولة في مكان غير معروف حتى الآن، حتى لا يكون الشيخ بمكانه ومكانته رمزاً للنهضة الدينية، ولكنه برغم الطمس العلماني، والمحاربة، أصبح رمزاً للصحوة الدينية، والنهضة الإسلامية. وقيض الله للعمل لنهضة المسلمين في تركيا من بعد الشيخ العلامة النورسي، قيض الله "فتح الله" ليكون وريثاً لهذا الحمل، وهذا العمل، وهذه الأمانة. فكان خير خلف لخير سلف، ومضى قدماً يجدد العقل والفهم وخطة التعليم والتربية والتغيير بالقوة الناعمة لا بالمخاشنة ولا بالمصادمة. ولما كان التعليم لا يقوم إلا بتمويل فقد حض الأتراك على البذل والسخاء والإنفاق. فاستجابوا له بكل حرارة وإخلاص. ولقد بلغت المدارس التي يديرها تلاميذ هذا الزعيم الروحي العظيم ألفاً ومئتي مدرسة مبثوثة في كل أنحاء العالم.

 

ولقد زرنا واحدة منها في إستانبول. وهي تحفة لا مجرد مدرسة، وقد أقيم هذا الصرح في سنة واحدة فقط من ليلة القدر إلى ليلة القدر.

 

وما رأيناه لا ترى عينك مثله لا في جامعة ولا في معهد لا في الداخل ولا في الخارج.

 

وقد علقوا في مدخل المبنى شهادات التفوق التي يحصلها تلاميذهم في المسابقات الدولية والمحلية التركية. وكان كل من شهد هذا الحديث مذهولاً مندهشاً من روعة ما يرى وما يسمع. فتحسرنا على مشاريع كان يجهض فيها الحلم ولما يكتمل!

 

وفي النهاية تكلم بعض المتبرعين الذين أقاموا هذا الصرح. فقال واحد منهم: لقد جئت من "قرغيزستان" قبل أيام في جولة تفقدية لمدارسنا هناك، فوجدت الحرائق قد التهمت كل ما حول مدارسنا، ولم تمس مؤسساتنا ولا بكسر لوح زجاج، وهذا من فضل الله وبركة الإخلاص!

 

ويأسرك الطاقم المشرف بتواضعه وأدبه وذوقه وخبرته وكفاءته، وصورة من صور أدبهم وتلطفهم مع بعضهم أن المدير قال: إن أستاذي فلان، أحد إخواننا الأتراك الحاضرين، فنزل من الحياء يريد أن يتوارى، وهو شعلة من الهمة ومن النشاط ومن إنكار الذات.

 

صور مدهشة رأيناها وعايشناها، ولولا أنها من الواقع لظنناها حلم صيف أو بقايا طيف.

 

تحول التحول

 

لقد جاء جهد النورسي البديع، وفتح الله تحولاً للتحول العلماني أو عن التحول العلماني.

 

لقد قطع الترك شوطاً طويلاً في رحلة التغريب والتبعية والعلمنة والفَرْنَجَة، وقَطْعِ الأمة عن جذورها. كيف استطاع فرد واحد هو أتاتورك أن يحول دولة الخلافة إلى دولة تدعم أوروبا و"إسرائيل"؟ كيف ابتلع الترك الطعم المسموم في هذا اليهودي الباطني، وظنوه مخلص تركيا ومحدّثها ومحْدث نهضتها، وما هو إلا مضعفها ومزلزل كيانها؟ كيف استطاع أن يقتلع جذوراً ضربت في الأرض مئات السنين؟ أم أن التدين كان تقاليد وأعرافاً لا يقوم على فهم عميق راشد راسخ ناضج، ولو كان كذلك لما استطاع الإنس والجن لو اجتمعوا أن يزلزلوه أو يزحزحوه؟!

 

وهل هو فعلاً عمل فرد، أم إنها الماسونية العالمية والصهيونية العالمية بإمكاناتها الهائلة في الداخل والخارج هي التي تسير الأمور، وما أتاتورك (أبو الترك) إلا صورة وأراجوز تحركه الأيدي الخفية؟

 

المهم أن دولة الخلافة أصبحت حرباً على الإسلام والخلافة، حتى كانت نقطة التحول في هذا البلد العظيم، بهذا الجهد المتواضع البدايات، المبارك النهايات.

 

فكان أن أسفر الشعب عن مخزونه ومكنونه من عمق الإيمان وتجذر الإسلام.

 

على أن الأمور ليست بهذه البساطة! فإن أعداء الله يستطيعون أن يثيروا في وجه هذه المجموعة المخلصة من العوائق والفتن ما لا يخطر ببال.

 

فمن الذي حرّك الدمى في "حزب العمال" لتضرب يوم انطلاق أسطول الحرية قاعدة بحرية فتقتل ستة جنود ترك، وتجرح سبعة؟

 

وفي يوم عودتنا شيع الأتراك أحد عشر شهيداً عسكرياً، علماً بأن هناك وقع إطلاق نار بين الترك والكرد. لقد كانت المدن التركية تغلي بالمظاهرات غضباً لهذه الجريمة ومنها!

 

وأعتقد أن الصهيونية ستواصل من خلال أدواتها تفجير الوضع.. والله غالب. وحديث تركيا يطول.