كل يوم يخرج الحاوي الإسرائيلي من جرابه جديداً ، يفسد أمواه المحيطات ، ولكن لا يفسد ودَّ عباس ، ففي الوقت الذي يعود فيه إلى المفاوضات غير المباشرة بعد أن كانت مباشرة كاختبار لنوايا (إسرائيل) في السلام، التي لم تعد تخفى على الحمقى والمغفلين ، وحتى تكتمل شروط الاختبار فقد حدد لها أربعة أشهر ، فإن حصل تقدم خلالها انتقل فخامته إلى الأحضان الدافئة والحميمة (مباشرة)، وإن لم يحصل تقدم عاد إلى حرده المعهود..
وها هي أشهره الأربعة توشك على الانقضاء ولما يحدث تقدم، بل فتح نتنياهو جرابه ليندفع منه زخات من الصفعات واللطمات على وجه المؤملين والساعين والوسطاء والمرحبين، فضلاً عن عباس المقرر الوحيد لاستئناف المفاوضات بأشكالها من عدمه، فميتشل يغدو خماصاً ويروح أشد مخمصة، لأن ( الحاوي) لا يقدم له ما يبل ريقه، هذا إن أحسنت الظن به ، وإن صدق حدسي فلا يزيد ميتشل عن صبي الحاوي الذي ينادي في المارة ( جلا.... جلا..... تعالى عندي يا ولا ....) فيجعل من البيضة حجراً، ومن الدولار ثعلباً أو أفعى، ومن عود الثقاب صاروخاً ...
بينما فخامة الرئيس ، وعلى رأى جدتي ،( من دار شيليني لدار حطيني) ،حتى سئمت البسط الحمراء من قدميه ، ولعل آخر الصفعات واللطمات -على رأي عبد القادر- هي البناء في القدس ( التي اعتبرها لطمة جديدة على وجه كل من يتحدث عن السلام) فقد صادق الزعيم ( بحق) الصهيوني على بناء 1600 وحدة في القدس ؛ عملاً بإيمانه بأن القدس خارج ملهاة السلام وعبثياته ، فهي بجد ( عنده طبعاً) أرض إسرائيلية تحقيقاً للوعد الرباني ، وعملاً بقانون ضمها الذي اتخذته الحكومة الإسرائيلية بعيد 5 يونيو(حزيران)67، ومن يومها لم تعر أي اهتمام لقرارات المجتمع الدولي، ولا لمشاعر مليار ونصف المليار مسلم، ولا لمسيرة السلام التي بدأت قبل عشرين سنة تغيرت فيها ملامح القدس حتى أضحى تسعة أعشارها عبرياً ، وما الهبات التي تعقب كل جولة بناء إلا فقاعات على سطح بركة راكدة سرعان ما تنفثئ كتلك التي أعقبت بناء هارحوما ، وكنيس الخراب، وجيلو، وغوش عتصيون على مئات الآلاف من الدونمات , وللحق فإن موقف (إسرائيل) واضح وجريء وواثق و (مستلطخ ) من يهمه الأمر، خاصة الشريك الفلسطيني الذي فقد الحد الأدنى من الحرارة والشهامة، وامَّحت كلمة ( لا) من قاموسه، فما أن يحرد حتى يعود ، وما يعود إلا ليحرد...
وما بين العودة والحرد يتنازل عما لا يتنازل عنه حتى المتسولون ، في الوقت الذي لا يمر فيه يوم إلا ويداهم منازل المعارضة من حماس والجهاد، فيعتقل حتى المجاهدين منهم وخاصة من الأسرى والمحررين كما جرى هذه الليلة لاثنين منهم من حركة الجهاد الإسلامي ، إضافة إلى أحد عشر مجاهداً من حماس ، فيما يؤكد استمرارية الخنوع لأوامر ضباط التنسيق الأمني الصهاينة ، وقد تزامن ذلك مع صفعة لست أدري كيف احتملها خد السلطة، وإن تعود على (اللطم) والتي جاءت مهينة ووقحة وشديدة تمثلت في ترحيل نواب التشريعي ( الحمساويين) المقدسيين الأربعة ، حركت شدتها لسان عباس ليحتج على هذا القرار دون أن يترك يد جورج ميتشل !!!
لتضيف له (إسرائيل) صفعة أشد وأنكى إذ يختطف نتنياهو ثلاثة عشر مقدسياً ، ويقرر إجبار اثنين وعشرين مواطناً بحي البستان على هدم منازلهم، دون أن يسحب عباس يده من يد ميتشل؛ متشبثاً بالمفاوضات غير المباشرة ، وللحق فإن عباس معذور جداً ، فلقد منحه السيد أوباما أربعمائة مليون دولار تلجم بركاناً لا فم عباس الصغير، ذي اللسان القصير على الصهاينة إلا على غزة ، فشهادة لله فإن خطابه قد تغير، فأخذ يطالب بإنهاء الحصار عليها، وطالب أوباما بذلك ..
وعندما قرر نتنياهو تخفيضه جزئياً وأعد لذلك قائمة تتضمن المزيد من السلع التي يمكن إدخالها لغزة لأغراض مدنية لا عسكرية قال عباس ( لا يكفي ) و ما سحب يده من يد ميتشل ، وما نبذ هذه المفاوضات التي جعل منها نتنياهو تافهة سمجة ووقحة، ويبدو أن الزعيم الصهيوني لم يسمع هذه ( اللا يكفي)، التي صدرت عن عباس ،لأنه قالها على استحياء ...
ولعل مرد ذلك إلى وقائع تستند إلى قرارات ووثائق كتلك التي كشفت عنها شبكة ( فلسطين الآن ) من اتفاقية مجحفة موقعة بين سلطة فتح وشركة الكهرباء تفسر السبب في أزمة الكهرباء التي يعاني منها قطاع غزة ، والتي تنص على ( أن سلطة فتح ستقطع ثمن الكهرباء من رواتب الموظفين تلقائياً وستدفع عشرة مليون شيكل للشركة دون الحصول على الكهرباء) ليعيش القطاع في ظلمات بعضها فوق بعض مما يدفع إلى سؤال:
ماذا يؤّمل عباس ؟ فلقد عرف المشروع الصهيوني وأبعاده، كما سبر أغوار النفس الصهيونية جيداً، ويدرك أنهم سيأخذون كل شيء دون أن يعطوه أي شيء. فهلا استجاب لأبي ذياب الذي يرى أن طرد المقدسيين سيشكل الشرارة الأولى لاندلاع انتفاضة شعبية؟؟!!