بعد مجزرة أسطول الحرية التي اقترفها الصهاينة بحق نشطاء السلام العالميين اكتسبت قضية حصار غزة زخماً غير مسبوق، وتوالت التفاعلات السياسية والشعبية، ودبت روح الشجاعة في أحرار العالم وشحنت نفوسهم بالإصرار على تحدي الاحتلال الصهيوني وكسر إرادته الظالمة..وفي هذا السياق أعلنت عشرات الهيئات والتجمعات عن استعدادها لإرسال سفن لكسر الحصار عن غزة.
إيران الباحثة عن دور مؤثر في المنطقة لم تكن لتسمح لهذه الفرصة أن تمر دون أن تكون لها مساهمتها، والتقطت هذا المزاج العالمي الشعبي، وألقت أقلامها بإعلانها تسيير سفن إلى قطاع غزة..
بالتأكيد فإننا نرحب بكل جهد متضامن مع قضيتنا، ولا نستطيع أن نقول لمن ألقى إلينا السلام لست مؤمناً ولا نملك إلا أن نشكر كل من قدم إلينا أي شكل من أشكال الدعم المعنوي والمادي..
لكن بالقراءة السياسية للأحداث فإننا نقول إن مرجع ذلك التعاطف العالمي مع أسطول الحرية هو وضوح الصبغة الإنسانية لمهمة نشطاء السلام الذين جاءوا على متنه، وبعده عن أي تعقيدات سياسية، وهو ما جعل استهداف الاحتلال له بمثابة استهداف للإنسانية ولإرادة الحرية والعدالة الشعبية..
لذا فقد رأينا ارتباكاً واضحاً من قبل الاحتلال تجاه سيل الانتقادات العالمية، وسعى الاحتلال للهروب من مأزقه باختلاق الأكاذيب وتصوير المعركة وكأنها مواجهة عسكرية مع أعدائه في المنطقة، وأن تصديه للسفن جاء نتيجة مخاوف أمنية، وأنه ليس ضد الحياة الإنسانية الكريمة للشعب الفلسطيني في غزة. وأن رفضه لوصول السفن مبرر بمخاوفه من تمهيد الطريق أمام فتح ميناء إيراني على شاطئ غزة..
وحين يخص الاحتلال إيران بالذكر في أكاذيبه الإعلامية فإنه يستغل ما تعنيه إيران دولياً في اللعب على الوتر الحساس واستثارة تعاطف دول العالم معه، وحرف معركة كسر الحصار اللا إنساني عن وجهتها الصحيحة..
وما دام الأمر كذلك فإن أي تدخل إيراني بالفعل في المواجهة الدائرة حالياً بين أحرار العالم المدنيين من جهة وبين كيان الاحتلال من جهة أخرى فإنه سيصب بدون قصد في مصلحة الأكاذيب الصهيونية وسيضفي مصداقيةً عليها..حتى لو كان هذا التدخل على شكل مساعدات إنسانية بحتة، وسواءً جاء من إيران مباشرةً أو بشكل غير مباشر من حلفائها التقليديين في لبنان..
سينظر كيان الاحتلال الصهيوني إلى أي مساهمة إيرانية في جهود كسر الحصار عن غزة بأنها طوق نجاة له وسيستغلها على نحو بشع في معركته الإعلامية والسياسية وسيحشد كل أدواته وإمكانياته لتسويق روايته الكاذبة بأنه كان محقاً حين منع أسطول الحرية من الوصول إلى غزة وأن مخاوفه من فتح ميناء إيراني على حدود غزة حقيقية وليست وهميةً، وسيوظف هذا التدخل الإنساني في تقوية موقفه السياسي وإبداء مقاومة أكبر أمام سيل الضغوط العالمية التي تطالبه برفع الحصار عن غزة.
هناك رأي يقول بأن إيران قلقة من تنامي الدور التركي في المنطقة، وأنها تسعى لمزاحمته حتى لا يتفرد بالساحة العربية، وحتى يظل لإيران حضورها الفاعل في كل القضايا، ولكن بغض النظر عن هذا الرأي فإننا نقول إن المصلحة السياسية تقتضي أن تظل انتفاضة السفن ذات صبغة إنسانية بعيداً عن التعقيدات السياسية لأن في ذلك إحراجاً أكبر للكيان الصهيوني.
أثناء تحريري لهذا المقال علمت من أخ مقيم في كندا أنه عند بث خبر اعتزام إيران إرسال سفن إلى غزة ابتهج المذيع وقال الآن سنظهر أمام العالم بأن معنا الحق في وقوفنا بجانب إسرائيل..
أما نحن فنقول لإيران شكراً على مقصدكم النبيل وإن شاء الله تؤجرون على نيتكم..لكن إن أردتم مصلحتنا الحقيقية فلا تخلقوا لأعدائنا وأعدائكم أي ذريعة لتبرير جرائمه ولا تمنحوه الفرصة لتضليل العالم.
هذا هو المفهوم الواسع للمصلحة السياسية والإيثار، حتى وإن كان أحياناً لا يتفق مع المصالح الفئوية الضيقة للجماعات والدول..
والله أعلى وأعلم..