أوروبا التي عششت وباضت وفقست فيها الصهيونية ، ثم طار مشروعها إلى سمائنا لينشر فيه الموت، ثم يحط على أرضنا وبيوتنا ليطردنا ، ها هي اليوم تصحو لترى هذا المشروع وما أحدث من خراب ودمار ، في منطقة هي الأقرب لها جغرافياً ، وأكثر تقاطعاً معها تاريخياً ، وبها ترتبط مصالحها الاقتصادية والسياسية والثقافية ، ذهب الساسة الذين أوجدوا (إسرائيل) ، وتركوا إرثاً طالما ديست فيه حقوق الإنسان، ونهبت ثروات ، وأزهقت أرواح ، ونشبت حروب، وما كان لكل ذلك أن يكون لو لم تكن (إسرائيل).
وجاء ساسة جدد ، أرهقت (إسرائيل) ضمائرهم ووعيهم ، خاصة بعد أن انعكست صورتها بجلاء على صفحة الفضاء المفتوح ، الذي لا يخفي غباراً ذرياً ، ولا غيوم الفسفور الأبيض ، رأت أوروبا ما فعلت (إسرائيل) بغزة في اعتداءات متكررة ، كما رأت في نفس الوقت غزة بصمودها رغم جراحها ، وتشبثها بالحياة رغم الحصار ، رأتها ترد العدوان ، وتقاوم المعتدين ، فأخذ الشارع يتساءل : لماذا ؟ فتقاطرت الوفود بحثاً عن الجواب ، ووجدته ، ونقلته ، صوتاً وصورة ، (إسرائيل) قاتلة مجرمة إرهابية ، (إسرائيل) كاذبة مخادعة ومتمردة.
وتعالت الأصوات تدعو لإنقاذ الإنسانية التي تهدر كرامتها في غزة ، وتقديم ما يضمد جراحاتها ، ويأتي بقطرة الحليب لأطفال يحرق الحرمان أكبادهم ، وتقديم المراهم كي تتمكن غزة من ترطيب جلود الشيوخ والأطفال والنساء التي أحرقتها قنابل (إسرائيل) الانشطارية والعنقودية والمسمارية ، وتدافعت القوافل ... تشمل أسماء الحرية .. ( غزة الحرة ) و(أسطول الحرية )..
و كأنها تقول : كفي يا (إسرائيل) عن استعباد غزة ، واستلاب حقها في العيش بكرامة .. أصبحت غزة الاسم الأشهر الذي تردده الدنيا ، بعد أن أصبحت المعادل الموضوعي لبشاعة الاحتلال ، والعدوان ، والغطرسة والاستبداد ، الذي يمثله السلوك الإسرائيلي غير الأخلاقي وغير الحضاري وغير القانوني وغير الإنساني ، تأثر الشارع الأوروبي لما يرى ، بعد أن أيقن أن سلوك المقاوم حق ومشروع ، وليس عدوانياً أو إرهابياً ، بل العدوان و الإرهاب هما وجها السلوك الإسرائيلي وكانت الصدمة التي حركت قلب أوروبا الراكد ، فخفق بقرارين من قبل البرلمان الأوروبي على جانب عظيم من الأهمية.
الأول : التصويت بأغلبية ساحقة لفتح جميع معابر غزة ، مما يحمل إدانة الحصار عليها ، باعتباره جريمة تقترف بحق الإنسانية المعذبة ، فغزة ملتزمة بتهدئة إلا ما يقتضيه الدفاع عن النفس ، وبذا فإن الحصار لا مسوغ له ، وما عليه غزة من انفراد حماس بحكمها فإنما تسنده الديمقراطية ( الأوروبية ) التي أنكرتها أوروبا ظلماً وعدواناً .
وأما ما تعده عسكرياً فلأن (إسرائيل) لم تتوقف عن احتلال الأرض الفلسطينية ، وبذا فإن إعدادها ذاك هو قانوني ومشروع ، كما تقره كل الشرائع والأعراف الدولية ، ولا مجال للإقرار بما تمارسه (إسرائيل) من تعسف واستكبار...من هنا جاء القرار الثاني الذي حظي – أيضاً – بأغلبية ساحقة وعن ذات البرلمان الأوروبي بإدانة صريحة فصيحة للاحتلال الإسرائيلي للأرض العربية ، وكأنه يقول ، لا للمشروع الاستيطاني ، فلتتراجعي يا (إسرائيل) إلى الحدود التي اعترفنا - نحن الأوروبيين - لك بها ، وأنشأنا عليها دولتك سنة 1948 ، رغم أنها زادت عما ورد في قرار التقسيم بما يعادل 22% من الأرض الفلسطينية ( وبالمناسبة فإن قرار التقسيم أعطى لليهود 56% من أرض فلسطين ، وأبقى لنا الـ 44% الباقية ).
وهذان القراران الأوروبيان اللذان ليس لهما سابقة يشيران إلى وعي جديد سرى إلى العقل الأوروبي وصحوة جديدة لضميرها ، أحدثتهما غزة بما أبدعت من صمود وإباء استحقت بموجبه الإقرار بحقها في الحياة ، الأمر الذي سيفتح ملفات أخرى يأتي في مقدمتها اللاجئون وعودتهم ، فإن الظلم الممتد الذي يعانونه يتجاوز حدود الطاقة الإنسانية والضمير الإنساني لتحمله، وما الحلول الترقيعية التي تصل إلى درجة من التفريط والخيانة، ليست مقبولة وتصطدم بقناعات المجتمع الدولي وقراراته التي حجبت عن الرأي العام وها هو يعيد قراءتها من جديد ، وسيفتح ملف القدس وتغيير ملامحها الإسلامية والعربية، الأمر الذي يشكل اعتداء صارخاً على قوانين اليونسكو وقرارات مجلس الأمن والجمعية العمومية ، ولا يمكن أن تكون ممارسات (إسرائيل) ضد معالمها وإنسانها ومقدساتها مقبولة بل مرفوضة .. كما سيفتح ملف الجدار العنصري الفاصل الذي مزق الأرض المحتلة.
واغتصب به الصهاينة آلاف الكيلومترات المربعة من أرض الضفة التي لا تزال تحمل صفة ( المحتلة ) وإن ذرائع (إسرائيل) الأمنية واهية وغير مشروعة وتعسفية ،وتصطدم أيضاً مع قناعات المجتمع الدولي وقراراته، وسيفتح ملف هذه المسيرة التافهة التي تسمى (بالسلام) والذي ترعاها سيدة الإجرام أمريكا ، وسيدتها (إسرائيل) مع فريق ضعيف - كجسد ينهشه السرطان - على المقاومة اسمه الفريق التفاوضي الفلسطيني ، وما التنازلات التي يبديها إلا ثمرة سامة فجة لهذا الضعف وذلك الإجرام ، وبالتالي فإن كل ذلك غير مقبول أيضاً ، ويصطدم مع قناعات المجتمع الدولي الذي تعبر عنه كل من بلعين ونعلين ،كما يصطدم مع قرارات المجتمع الدولي التي أنكرت على (إسرائيل) تعسفها واستكبارها وتمردها ، ولكن هل يمكن لنا القول بأن الموقف الأوروبي بات محسوماً ؟ بالتأكيد ، لا ، فإن الوقت لا يزال مبكراً ، وما زالت غزة في أول وخزاتها لإيقاظ الضمير الأوروبي .