أن يصدر هذا النداء من روبرت غيتس وزير الدفاع الأمريكي، أو من كونذاليزا رايس أيام أن كانت مستشارة بوش للأمن القومي، فهذا أمر متوقع وليس فيه ما يبعث على القرف، ولكن أن يصدر من صوت عربي، فلسطيني، ومن داخل الخط الأخضر فهذا يستدعي التوقف، لما يثيره من قرف ورغبة هائلة في التقيؤ، فلم يتوقف أيوب القرة عضو الكنيست عن الليكود، ونائب وزير التخطيط الإسرائيلي، عند هذا النداء.
بل برره بأن (إسرائيل) دولة صغيرة وكأنه يقول: تقع في محيط من الدول العظمى، تضمر لها الأحقاد، وتتمنى، بل وتعمل على إزالتها، وهي المسالمة المسكينة الحضارية، التي لم تغتصب أرضا، ولم تطرد شعبا، ولم تلاحقه في المنافي والشتات بسكينها التي لم تتوقف يوما عن ذبحه، ولم تر شعوب هذه المنطقة – ومنذ أن ولدت – استقرارا ولا نماء، ولم تشعر بأمن، أيوب القرة واحد من المسوخ الذين يقفون على خط واحد مع الذين بغوا على أهلهم وأوطانهم، بعد أن أغرقه أعداؤها في الشهوات فاستذلوهم، وشوهوا فطرتهم، ورغم ذلك فلن يكون أيوب القرة هو الأسوأ، فهناك هياكل على هيئات بشرية وتنتمي للنضال الفلسطيني بكل توجهاته ومسمياته ارتضت لنفسها أن تكون عيوناً للصهاينة، فيكون قصفهم بالصواريخ، أو إعدامهم بالرصاص، أو بالتفخيخ أو بالسم على أيديهم، فالذي وشى بالشيخ أحمد ياسين أشد حقارة وسفالة من أيوب القرة على حقارته وسفالته، والذي وشى بالرنتيسي وفتحي الشقاقي وخليل الوزير وغسان كنفاني، وناجي العلي، وجمال أبو سمهدانة، هم الحقارة والسفالة ذاتها، هو أبو رغال الذي دل أبرهة الأشرم ليهدم الكعبة ، هو قارون الذي كان من قوم موسى.
وكان يمكن أن يظل نصيراً لواحد من أولي العزم من الرسل، فإن مات أو قتل على يد فرعون مات عزيزاً شهيداً كريماً، ولكنه اختار لنفسه أن يكون جاسوساً حقيراً سافلاً، تتنزل عليه اللعنات كلما أشرقت الشمس وإلى أن تغيب، هو النموذج المتكرر الذي رآه الفرنسيون في (فيشي) فقد كون حكومة خائنة، ذنبا للنازيين الذين دمروا بلاده وعاصمتها، وهو الذي رآه الصينيون في (شين كاي شيك) الذي رضي لنفسه أن يكون ذنبا للأمريكان، الذين تعاملوا معه كممثل شرعي وحيد لمئات الملايين من الشعب الصيني.
وهو لا يحكم إلا على ( قبضة ) منهم في فرموزا، وقد أسماها الصين الوطنية، وجلس في مقعد من المقاعد الخمسة في مجلس الأمن لعشرات من السنين، حتى عافته أمريكا، وألقت به حيث تلقى الجرذان النافقة، هو الذي رأته إيران في ( شاهها ) الذي رضي لنفسه أن يلقب بكلب حراستها في الخليج، وعندما طارده شعبه ككلب ضال، لم تفتح له أمريكا واحدة من زرائبها، وحذت حذوها كل عواصم الدنيا، وهو الذي رأته رومانيا في (شاوشيسكو) الذي انفلت من كل قيد أخلاقي، وأمات ضميره فكان سيفاً مسلطاً على رقاب شعبه، حتى داسته أقدام فلاحيها، وألقت به إلى ما تلقى إليها الجيف القذرة، هم الذين سقطوا في مستنقعات هذه الدولة الصغيرة التي يتباكى عليها أيوب القرة فصاروا جواسيس.
وأصروا على جاسوسيتهم ولم يسلموا أنفسهم – بعد – إلى التوبة، ولم يتغلب على نفوسهم الشريرة إحساس بالعار أو الندم، وهم الذين يفرطون في حقوق هذا الشعب الأبي وثوابته، مقابل شهوة ماجنة فاجرة في هرتسيليا أو نتانيا، أو في نايت كلوب في تل أبيب، وفي الصباح يلبسون مسوح الأتقياء الأنقياء المناضلين، هم الذين تتورم قلوبهم وأنوفهم لصمود غزة، وقبضها على الجمر، ولا يريدون لهم كسر الحصار بل الخنق، ولا يريدون لها الأمن بل يحرشون اليهود ليصبوا على أجساد بنيها الرصاص، ويهيجوا رياحا من الفسفور الأبيض المجرم، وهم الذين يستعجلون لحظة الوثوب إذا ما رأوا أتباعهم يخرجون إلى الشارع منفلتين، ليدمروا كل شيء بأمرهم، بدعوى رفض حكومة الظلام.
وهم الذين نراهم يعبثون في أعراض الناس ليهتكوها من فاحشة ولواط، كثمرة لما يروجون من مخدرات وانحلال ، وهم الذين يجلسون في ركن مظلم ناءٍ يبثون الأكاذيب والإشاعات والافتراءات والتهم ضد خلق الله، ليقرأها عشرات الآلاف على صفحات المواقع التي تتكلم العربية كأيوب القرة ، ولكن بلكنة صهيونية ، وبمفردات يوفال ديسكين ، وتساحي هنغبي ، إذن أيوب القرة ليس فريداً من نوعه ،ولا بدعا من البشر ، وهنا يقفز سؤال : ما مصير أولئك ؟ والجواب تضمنه المقال ، هو نفس المصير ، الذي آل إليه أنطوان لحد ، وكمال حماد ، هو نفس المصير الذي آل إليه أبو رغال ؛ النبذ ، الخوف ، الفقر ، العار ، ومزابل التاريخ، بعد أن تدوسه أقدام المظلومين والمضطهدين ، من الصابرين أصحاب الحقوق ، وإن طالت بهم الأيام وامتدت أعمارهم ، ترى الواحد فيهم من على شاشات الدنيا فيبصق عليه ، حتى أقرب المقربين له ، لا يرونه إلا عاراً مجسداً ، وهيكلاً تافهاً رخيصاً .. هم العملاء والجواسيس يا أيوب.. هم الذين ذبحوا شرفهم على أعتاب شهواتهم ونزواتهم ورضوا أن يكونوا ..