كان السجين "عادل اصليح" مكلفاً من قبل سجناء سجن نفحة بالعمل بين غرف أحد أقسام السجن، وكان قبل عشرين عاماً يقف أمام باب غرفتي، ويلقي علي التحية بود ومحبة، فلم يكن يناديني كباقي السجناء بجملة: يا مناضل، وإنما كان يصر أن يخاطبني بجملة: يا أستاذي، فقد تعرف علي مدرساً له في مدرسة الشهيد أحمد عبد العزيز في خان يونس، عندما كان طالباً مشاغباً، محبباً، مقرباً مني.
وقد ظل بالنسبة لي طالباً حتى بعد أن كبر، وشارك في المقاومة، ودخل السجن، وكنت أناديه باسمه دون كلمة "مناضل"، رغم طول عنق بندقيته، وهذا التعامل جرى مع كل طلابي الذين التقيت فيهم بطول السجون الإسرائيلية وعرضها، ومنهم: محمد أبو نصيرة، ومسلم أبو نصيرة، وسامي هداف، وأسامة أبو سمرة، وآخرون نسيت أسماءهم مع طول الزمن، ليظل "عادل اصليح" هو السجين الأقرب، ولاسيما بعد أن رآني يوماً أقوم بتنظيف صحون الطعام التي أكل فيها السجناء، فطلب من السجان أن يفتح له الغرفة، ليدخل مسرعاً، ويحاول أن ينزع من يدي قطعة الإسفنج التي أنظف فيها صحون الطعام، ولكنني رفضت، وبين إصراره ورفضي، كان علي أن أوضح له واجبي تجاه السجناء.
وأن النظافة في هذا اليوم تقع على عاتقي وفق النظام، وأن لا فرق في العمل، وتنظيف غرفة السجن بين كبير وصغير، ثم؛ لا أقبل على نفسي أن أكون عالة، وأتّكل على سجناء آخرين لينظفوا صحن طعامي، لأقعد عاجزاً.
تذكرت السجين "عادل اصليح" قبل أيام من ربيع سنة 2010، أثناء محاضرة في جامعة الأقصى، وكان يجلس أمامي طالباً جامعياً قد شاب شعر رأسه، وعبرت عليه الأيام، ومع ذلك بدت ملامحه ليست غريبة، لقد ذكرني "سمير الجبور" باسمه، لقد كان طالباً عندي قبل خمسة وثلاثين عاماً في مدرسة أحمد عبد العزيز ذاتها.
ابتعدت فيه الأيام المسجونة عن إكمال الدراسة، ليلتقي كلانا؛ طالب جامعي برأس أبيض، وأستاذ جامعي برأس مثقل بالتجارب التي تقول: إن الإنسان إرادة حياة، ورغبة في تطوير الذات، والحضور والتأثير في مجريات الأمور، لا يضعف إلا إذا ضعفت لديه الرغبة في الحياة ذاتها، ولا ينكسر إلا إذا انكسرت لديه الثقة بالغد، وفقد الأمل بالمحيط، وانقطع الحبل السري الواصل بينه وبين الطموح، وارتضى أن يكون كماً مهملاً بلا شهية التحليق، وبلا شهوة التألق، وشهقة البريق.