(43 عاماً ) هي عمر الهزيمة العربية التي أسموها زوراً بالنكسة في عام 1967م لتخفيف وطأتها على النفس العربية . بعض قادة الهزيمة هم رهن الثرى, وبعضهم الآخر يعانون أمراض الشيخوخة وفقدان الذاكرة . نصف جيل النكسة أو أكثر ودع الحياة الدنيا وترك لمن خلفه المعاناة والألم, (43 عاماً) وتمر الذكرى باهتة للأسف مع قليل من التذكر والمراجعة.
قبل الرابع من حزيران عام 1967 كانت غزة حرة, وكانت الضفة الغربية والقدس حرتين أيضاً . بعد ستة ساعات فقط سقطت القاهرة وعمان والعواصم الأخرى في وحل الهزيمة, واحتل الإسرائيليون غزة والضفة والقدس إضافة لسيناء والجولان . بعد سنوات من المعاناة ودعوات التحرير الجوفاء, استعادت مصر سيناء بشروط مذلة, وتركت غزة لمصيرها, وكذلك استعادت الأردن بعض حقوقها في نهر الأردن ووادي عربة بشروط مذلة وتركت الضفة والقدس لمصيرهما.
كانت غزة وديعة لدى مصر, وكانت الضفة والقدس وديعتين لدى الأردن, الوديعة ضاعت, وعمر الضياع ثلاثة وأربعون عاماً, والأيام والشهور والسنون تمرّ, ولا أحدٍ منهما يتذكر المسؤولية القانونية عن الضياع الممتد والسنين الطويلة, ولا أحد منهما يقدم فعلاً حقيقياً موجباً لدعم الشعب المقاوم المتحمل للمسؤولية عنهما غير ما يسمونه دعم المفاوضات وممثلها محمود عباس ومجموعة قليلة من حركة فتح المختطفة.
ثلاثة وأربعون عاماً نعيش على ذاكرة لاءات الخرطوم, وشعارات ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة, لنكتشف بعد ذلك أننا كنا نعيش الوهم, ونتابع السراب, وفقدنا الثقة بالملوك والرؤساء , رغم أننا ما زلنا نناشدهم الله والأخوة والإسلام والعروبة مناشدة المضطر الذي يستجير في عرف بعضنا بالنار من الرمضاء.
ثلاثة وأربعون عاماً من الهزيمة تخللتها أحداث جسام من العيار الثقيل في الساحة العربية, غير أن أهم هذه الأحداث أن الهزيمة صنعت (إسرائيل) العظمى, وأقامت دولتها, وجعلتها في قلب الإدارة الأميركية وعينها, وأعطتها إحساساً بالاستقرار والسيادة الإقليمية, وحملت إليها القنبلة الذرية, وأنشأت لها اقتصاداً وجيشاً مغروراً, ولولا الهزيمة المخزية في 1967لما كانت (إسرائيل) ولما ضاعت القدس, واحتلت الضفة وحوصرت غزة, وكانت تلك المهانة المذلة.
هزيمة 1967 هزيمة نظام عربي بامتياز, وليست هزيمة شعوب عربية أو جيوش عربية, لأن الجيوش لم تقاتل عدوها, ومن ثم فالمسؤول عن الهزيمة هو النظام العربي, والمسؤول عن استبقاء الهزيمة وآثارها حتى هذا العمر الطويل (43 عاماً) هو النظام العربي . والمهزوم من داخله ولا يقوى على تحرير غيره, لذا تنظر الشعوب العربية إلى المقاومة الفلسطينية على أنها آلية لتحرير العرب قبل تحرير فلسطين, لأنه حين يتحرر العرب من النظام الفاسد يمكنهم تحرير فلسطين.
غزة المحاصرة, والضفة المحتلة تتوق إلى استعادة الواقع الذي كان قبل عام 1967, رغم أنه الواقع الذي لا يستجيب لطموحات الشعب الفلسطيني, ورغم أنه الواقع الذي رفضه المقاوم الفلسطيني قبل 1967م, غزة كانت حرة بلا حصار, تصدر وتستورد وتسافر بغير حصار, وكانت القدس والضفة في حال أفضل من غزة . واليوم نعيش الخوف من هزيمة أشد وأقسى على النفس يكون بطلها المفاوض الفلسطيني الهمام الذي هيأ نفسه للتوقيع على وثيقة الاستسلام بعد (43) من الهزيمة أو النكسة.