أصبح أردوغان عاملاً مشتركاً في نشرات الأخبار العالمية ، فلا تكاد تفتح مذياعاً على أي محطة ، إلا وترى صورة الرجل ، أو خبراً يتعلق به ، ولا تكاد تستمع إلى حوار ،إلا ويحتل أردوعان محوراً منه ، ويكاد يكون هناك إجماع على أن الرجل يمثل نمطاً متميزاً في القيادة الحكيمة الشجاعة غير المتهورة ، ففي الوقت الذي ورث حكماً يدين بالعلمانية ، وتأليه (مصطفى كمال أتاتورك) فإنه لم يفقد حريته في اختيار الأصلح لشعبه ، حتى وإن تعارض مع ميراث أتاتورك ، فالبرلمان التركي الذي يرى في تعاليم أتاتورك مسلمات ومقدسات يحرم الاقتراب منها فضلاً عن اختراقها ، حتى وصل إلى طرد مروة قاوقجي من عضوية البرلمان ، وهي النائب المنتخبة عن الحزب الإسلامي الذي يقوده نجم الدين أربكان ، نرى أردوغان لم يتهيب ولم يتردد في أن يصحب زوجته المحجبة في اللقاءات الرسمية ، واستقبال كبار ضيوف الدولة وزوجاتهم أمام عيون كبار الكماليين من عسكريين أو قيادات حزبية أو رجال أمن أو قضاة، الذين كانت إشارة من إصبع واحد منهم تكفي لحل الحزب الحاكم ، وتقديمه إلى ( العدالة ) بتهمة الخيانة العظمى لتعاليم (أتاتورك) وكان يستند في ذلك إلى ( الديمقراطية ) التي وظف مبادئها لتكريس الحريات بشكل حد من سطوة ( أولئك ) وفي الوقت الذي ورث دولة ترتبط بحلف شمال الأطلسي ( الناتو ) والذي تقوده سيدة الإجرام في الدنيا أمريكا ، والتي أرغمت العالم النامي – ومنه تركيا – أن إذا قالت صدقوها فإن القول ما قالت ،مع الاعتذار لحذام التي قال فيها شاعرنا :
إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام
نرى أردوغان يعرض الأمر على البرلمان الذي قال : (لا) لأكبر قاعدة حربية أمريكية في ( انجرليك ) التركية ، فإرادة الشعب التركي ألجمت القاعدة ، وشلت حركة طائراتها ، فلم تشارك في ضرب بغداد ، وفي الوقت الذي أعرض الغرب عن تركيا - منذ أن كانت السوق الأوروبية المشتركة - فلم يقبل بها عضواً رغم تزلفها الدولي ، وانسلاخها عن تراثها الفكري والعقدي ، جاء أردوغان ليخلع عن الدولة ثوب التزلف ، ويعود بها إلى شخصيتها وتراثها ، وليذكر به الشعب التركي ( أن آباءنا هم سادة الدنيا وحكامها ، والدولة العثمانية هي الدولة التي لا يليق بها التزلف والانسلاخ ) فأعرض عن كل ذلك وتوجه إلى الشرق ليبرم اتفاقيات بمئات المليارات من الدولارات، آخرها ما أعلنه في المؤتمر الصحفي الذي عقده مع بوتين على هامش مؤتمر القمة الآسيوي ، إذ أعلن عن زيادة حجم التبادل التجاري ليصل إلى مائة مليار دولار بعد أن كان عشرين ملياراً ، وفي الوقت الذي أخافت عربدة (إسرائيل) شرق وطننا العربي وغربه، حتى أمست يدها من الطول بحيث تصل إلى المفاعل النووي العراقي ، وإلى أن يبرطع الموساد في شمال العراق ، ويصل إلى روح محمود المبحوح ، كما يصل إلى حمام الشط في تونس.
ناهيك عن عشرات العواصم دون أن يعترضها أحد ، نجد أن أردوغان وهو الوريث لعلاقة تكاد تكون الأكثر تميزا في الشرق الأوسط مع (إسرائيل) ، فهناك اتفاقيات ومعاهدات في كل مناحي الحياة وصلت إلى 250 مليار دولار ، إضافة إلى العلاقات الإستراتيجية الأمنية العسكرية ، وأجهزة الحكم ، نجد أن أردوغان ينتفض لكرامة تركيا التي خدشتها تل أبيب ليقول : ( مللنا ) وهو يهز ( جاكيتته ) كمن ينفض عنها ما علق بها من أوساخ هذه المعاهدات والاتفاقيات مع الكيان ، بعد أن نعتها بالعربدة وإرهاب الدولة ، والكذب ، وتوعدها بمقاضاتها وملاحقتها ، ويذهب إلى أبعد من ذلك فيأبى أن تنقل الطائرات الإسرائيلية من اختطفهم الصهاينة بل بالطائرات التركية ، والحربية منها على وجه الخصوص ، ثم يرفض بإباء أن يعالج تركيا أطباءٌ صهاينة في وحدة العناية المركزة الصهيونية ، بل أطباء أتراك ، فيرسل طاقما منهم ، وتذعن تل أبيب.
ويبلغ به التحدي مداه ، فيعلن على سمع الدنيا عن تسيير أسطول آخر وستصحبه وحدات من سلاح البحرية التركية ، أمام ذهول صهيوني وصل إلى حد التبلد ، ثم يفاجئ أردوغان الصهاينة وأحلافهم ، بل قوى الاستكبار في العالم ، بإلغاء كل الاتفاقيات والمعاهدات مع ذلك الكيان ، الذي يمارس إرهاب دولة !! ثم يعلنها صريحة بأن لو أدار العالم كله ظهره لغزة، فلن ندير لها ظهرنا ، وللعجب فإن أشد الأحزاب التركية معارضة لأردوغان وحزبه ، وخصومة معه ، أخذوا يصفقون له بحرارة ، وهم الذين عرف عنهم عبر تاريخ الدولة الكمالية أنهم الأشد ارتباطاً بالمشروع الصهيوني ولسياسات الكيان ، ويضمرون عداوة متراكمة عمرها تسعون سنة للمشروع التحرري العربي ، وفي الوقت الذي تتوجه السهام المسمومة لمشروع طهران النووي ، نجد أردوغان بإرادة فولاذية يدعمها، ويبرم معها اتفاقاً تجارياً بما يزيد عن عشرين مليار دولار ، دون أن ينظر خلفه ، ولا يحسب حساباً لأنياب الدولار ، ولا إلى سيف البنتاغون ، الذي طالما دجن دولاً وزعامات .. يعقد أردوغان اليوم قمة تضم سوريا وإيران وروسيا وأذربيجان وتحضره رام الله ليقول مع بشار ونجاد وبوتين : لا للعربدة الصهيونية ، ونعم لكسر الحصار .
هي قمة لا شك سيكون لها دور كبير في تغيير وجه المنطقة ، ومنه كسر الحصار .