مشهد الجماهير العربية وهي تتمسمر حول الإذاعتين المرئية والمسموعة، تنتظر خطابا من زعيم أو حاكم أو ملك يؤملها بالمستقبل الواعد، أو استرداد حق مسلوب، أو الدفاع عن كرامتها، يعيد إلى الأذهان صورة الشارع العربي المتماسك قبل سنوات طوال، قبل أن يفقد المواطن ثقته بولاة أمره، خاصة بعد النكبات والجراحات التي ألمت به، حتى سئم الوعود الكاذبة والبطولات الزائفة، وأفل نجم زعماء العرب الذين تخلوا عن شعوبهم وأصبح همهم الوحيد البقاء في كرسي الحكم, وإغراق الناس في ملذات وشهوات تبُعدهم عن قضاياهم المركزية, وتُشغلهم بتطاول الأبراج الشاهقة، التي تبنى فوق أرضهم وبأموالهم وجهدهم، ثم يتمتّع بها من يدفع المال الأخضر, ويتغندر بالشعر الأصفر, ويحمل الجواز الأحمر,! ناهيك عن المشغلات والفضائيات التي اتخموا الشعوب بها، ومجاراة الغرب في كل صغيرة وكبيرة حتى "لو دخلوا جحر ضب"، ولو كان ذلك على حساب قيمهم وأخلاقهم!
ألم يلحظ القادة العرب أن شعبيتهم في العالم قد هوت إلى الدرك الأسفل من الامتهان والسخرية؟ ألم يشعروا أن الوقت أزف وآن الأوان لمن يملأ الفراغ الذي تعيشه الساحة العربية ليأخذ بيد شعوبها المتعطشة فيثأر لها, وينتشلها من الظلم الواقع عليها انتشال "الغريق الذي يتعلق بقشة"!
ألم تصبهم عدوى نخوة الرجل التركي الأصيل رجب طيب أوردغان الذي أسر قلوب الملايين من العرب والمسلمين في أقل من سنتين! لينصتوا إلى مواقفه المسئولة من دولة البغي والعدوان (إسرائيل)؟ لماذا التف الناس حول أوردغان بهذه سرعة.. ونسجوا له من المدح والثناء ما تنسج العرب لفرسانها العائدين من المعارك والغزوات؟ الجميع يذكر الشهادة التي سجلها النائب البريطاني جورج غلوي على أعتاب بوابة رفح عندما وصل إلى قطاع غزة قادما على رأس قافلة شريان الحياة 3, بعدما لاقى أصناف الذل والعذاب على يد قوات الأمن المصرية, وقتها قال بالحرف الواحد: "مصر شعب عظيم.. لكنه يحتاج إلى قيادة تقدره", وهذا ينسحب بالطبع على غالبية الدول العربية وأنظمتها، ولا يقتصر الأمر على مصر التي قُدر لها أن تحيا إلى جوار فلسطين!
هنا يكمن السبب المباشر فيما يفعله أردوغان وغيره من القيادات التي بدأت تدخل على الخط العربي والإسلامي وتتغلغل في قلوب الناس وعقولها , ليس من باب الدعاية والدعابة وكسب عواطف الناس وشد انتباههم, أو التدخل في شؤون الآخرين والسيطرة على مساحات جغرافية يتم استغلالها كقواعد انطلاق لمهاجمة دول الجوار، كما تروج بطانة السوء الخانعة؛ إنما هم أغنياء عنا وليسوا ضعفاء ليفعلوا ذلك أو يفكروا فيه, والجميع يدرك أن أردوغان شخصية قوية بذاتها وبشعبيتها واقتصادها وقرارها, وما يفعله هو من باب ملأ الفراغ الذي تعيشه الساحة العربية التي تفتقر إلى هذه الزعامات الشجاعة القادرة على وضع حد لصلف العدو وجبروته, وقول كلمة (لا) في وجه أعداء الأمة, ويجب أن نتذكر قبل هذا كله, أن من لا يملك في تاريخه الماضي ما يشرفه؛ لن يستطيع أن يصنع حاضرا ومستقبلا!
الأمة اليوم بحاجة إلى زعامات فتية وقيادات ذكية, إلى رجال يحملون همها, ويرددون في كل ليلة وضحاها: "يا خالد الترك جدد خالد العرب". وأعتقد أن ما أصاب الزعماء العرب من التراجع والانهزام هو بما كسبت أيديهم من التبعية الغربية التي أنستهم ذكر الله فأنساهم أنفسهم, لقد ابتعدوا كثيرا عن تعاليم دينهم في الوقت الذي يُقبل فيه الغرب وحلفاؤه على عقيدتهم المشوهة التي أضحت راية تُرفع في كل غدوة وروحة.
لا ينكر منصف أن أكثر الدول العربية تقدما وانفتاحا وتماسكا تعجز عن مضاهاة الجارة تركيا التي يقع جزء بسيط من مساحتها الجغرافية في قارة أوروبا, ذات الأضواء الساطعة والسوق الحرة المتماسكة والخبرات العلمية الواسعة؛ فأحفاد العثمانيين استطاعوا الموازنة بين الحفاظ على أصالتهم وقيمهم وحضارتهم، وحماية مشروعهم من شبح التدجين العلماني الأعمى, وبين ما يلَزمُ تركيا عبر نوافذها الغربية، ويُسعفها لمواكبة التطور والتقدم العلمي حتى أصبحت رائدة في هذا المجال, تبحث عن سوق لاقتصادها.
وهذا للأسف الشديد ما تفتقر إليه غالبية الدول العربية التي خضعت للاستعمار, ورهنت أموالها لدى الخزينة الأمريكية والأوروبية, بالإضافة إلى ضعف شخصياتها السياسية والعسكرية وقلة خبرتها وعدم استقلالية قرارها، وهو ما لا نراه في المشهد التركي.. المؤمن بتطبيق مقولة "إن كنت تريد السلم فاستعد للحرب", فتقوم بين الفينة والأخرى بمناورات عسكرية مع دول عدة للاستعداد لأية مواجهة محتملة, فيما دولنا العربية التي تمتلك السلاح والعتاد والمواقع الإستراتيجية لا زالت تنتهج سياسة ضبط النفس و"الاحتفاظ بحق الرد"، وتُبقى الأسلحة في المخازن يأكلها الصدأ إلا في مواسم الاحتفالات القومية والاستعراضات.
وهنا أتساءل: كيف يمكن للشعوب أن تثق بزعامات كهذه !! كيف يمكن للشعوب أن تثق بقيادات لم تستطع اتخاذ قرار حاسم.. كرفع الحصار عن قطاع غزة والذي يخنقه منذ أربع سنوات؟ أو حتى معاداة الصهاينة الذين ارتكبوا جريمة القرصنة البحرية في المياه الدولية بحق رسل الحرية الذين جاءوا من كل أصقاع الدنيا ليوقظوا العرب قبل العجم على ما تعانيه غزة وشعبها, مما اضطر بعض الدول التي تسكن خلف البحار والمحيطات إلى قطع علاقاتها مع إسرائيل وطرد سفرائها ومساءلة مندوبيها ردا على الجريمة, إلا أن العرب الذين شاهدوا المجزرة على بعد أميال من شواطئهم, لم يستطيعوا عقد اجتماعهم الخجول إلا بعد يومين من الحادثة ليُرّحلوا قرارات ومقترحات أقُرت في السابق إلى عناوين تُبحث في أروقة دولية ذات ثقل ومسؤولية! وكأن الدماء الزكية التي سالت في عرض البحر لا ترقى لأن يتصدر لها الزعماء والرؤساء ويُجمعوا على اتخاذ قرارات تنفيذية تكبح جماح المجرم وتردعه!
يؤلمنا حقا غياب الدور العربي في المنطقة، لكن الأمل غير منقطع في أن يقيض الله لهذه الأمة من يأخذ بيدها إلى مواقع الصدارة والسؤدد من جديد.. وعلى الزعماء العرب أن يعلموا جيدا أن التاريخ لا يُسجل في صفحاته الناصعة إلا الأبطال الذين نقشوا في ذاكرة الأمة عزها ونصرها, من قدموا لأمتهم عطـاء وتضحية تعجز الأقلام والأوراق عن تدوينه: أمثال القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي، والظاهر بيبرس، والسلطان عبد الحميد, وشيخ فلسطين أحمد ياسين، والكثير من هؤلاء النجباء الذين اختصروا المسافات ودونوا بثباتهم وإخلاصهم خارطة الطريق القويم، فمن أراد أن يُحفر اسمه في صفحات المجد فليقرأ سير هؤلاء الأماجد، ليخطو أثرهم, ويحذوَ حذوهم، وعهدا على التاريخ أن لا يقصر في حقه أبدا!