الصّنم الذي يجب أن يهوي

نشر 04 يونيو 2010 | 04:41

بُعد جديد في الصراع مع العدو الصهيوني يجب أن يضاف إلى الأبعاد السياسية والاقتصادية والاستراتيجية والمائية والعسكرية والإعلامية.. ذلكم هو البعد العقدي.

 

ولكم تكلم عن أهمية العقيدة المتكلمون، وكم كررت المناهج التعليمية في بعض البلدان الحديث عن التوحيد وأهميته المطلقة، وهو كلام حق كله. لكنه من أسف كان يعرض في صورة نظرية "تسميعية"، تحفظ ثم تسمع ثم يمتحن فيها، ولكنها لا تربي في النفس ولا تربي النفس.

 

والذي أتحدث عنه هو البعد العقدي التوحيدي المجسّد في نفي شرك العصر، ومنابذة صنم العصر، لا الصراع مع طواحين الهواء، في الرد على المعتزلة والأشاعرة. وقل لي أين هم هؤلاء وأين الماتريدية يا من لا تريد أن تفهم؟! ما أسهل أن تخوض معركة العقيدة مع الأعداء الوهميين. وما أصعب أن تخوض معركة العقيدة مع الأعداء الواقعيين الحقيقيين، ومع أصنام العصر الفعليين لا مع التمائم والتعاويذ والقبور!

 

صنم العصر هو الصهيونية العالمية وداعمتها أمريكا، إن الشرك هو شرك القوة!

 

ولذا قال الله تعالى في هذا المعنى أو هذا الموضوع محرراً القوة من أي دعاوى منازعة لله إياها: "إِنَّ اللّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ" الأنفال52 "إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ" هود66 "إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ" الحج40، 74 "وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً.." البقرة165 وعاد قالوا: "مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً" ورد الله عليهم: "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً" فصلت15. والآيات في هذا كثيرة لا أستقصيها حتى لا أطيل.

 

وإنما القصد إلى القول: إن البعد الجديد الذي عنيته أن يصبح التوحيد معروضاً من خلال الكفر بالطاغوت، وهو في هذا العصر متمثل في الصهيونية وإمبراطورية الشر. والله جعل مدخل التوحيد، الكفر بالطاغوت، فقال: "فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ"

 

"إسرائيل" والقوة التي تغطيها هي الأصنام التي يجب أن تحطم ليسلم التوحيد، والشرك هو الخوف منها ومداراتها وموالاتها ورجاؤها ودعاؤها والذبح بين يديها، هذا هو درس التوحيد في صورته العملية.

 

ليس التوحيد مادة دراسية جامدة صمّاء، حاشا. وإنما التوحيد صراع بين يقين وشرك متجسد في واقع لا أخيلة عابرة للقرون، محنطة في نماذج أودعت في بطون الكتب، لا يرى الناس مصداقها الواقعي. هذا الذي جعل درس التوحيد معزولاً، وجعل ثمراته غير ملموسة. فهلا فطن علماء التوحيد إلى هذا؟!

 

إن الشرك اليوم هو شرك القوة؛ ولذلك فإن "إسرائيل" تريد أن تحوز من أسباب القوة لا ما يجعلها دولة قوية محمية فحسب، لا، وإنما ما يجعلها معبودة من دون الله في الأرض، فالرئيس من رَأَّسَتْهُ، والمعزول من عَزَلَتْهُ، والعزيز من أَعَزَّتْهُ، والذليل من أَذَلَّتْهُ، والرفيع المقام من رَفَعَتْهُ، والوضيع من وَضَعَتْهُ!

 

هذا هو الشرك المجسد. فلا تحدثونا بعد اليوم عن أحافير الشرك في عصر الديناصورات، الشرك واقع متجسد في الأرض، لا أوهام ولا أخيلة يبحث لها عن شواهد وأمثلة عن أعصر خوال.

 

إن ما جرى في عرض البحر هذه الأيام صور لا من العربدة العسكرية والسياسية، والفوقية على القانون الدولي فحسب، لا وإنما جرى ما جرى على خلفية أن الصهيونية لا ترى في الأرض إلاها.. وترى نفسها في الأرض إلهاً، ولذلك تقتل من تشاء، ولا تخاف العقبى.

 

وسمعتم كما سمعت خلال الفضائيات والإذاعات قول "جندلمان" جندله الله قريباً، عندما سألته الجزيرة: "ولكن ما فعلتم مخالف للقانون الدولي، في رأي فقهاء القانون الدولي" فقال: القانون الدولي هو ما تراه "إسرائيل"، وما تفسره "إسرائيل".

 

وفي مقابلة لإذاعة لندن مع أحد ناطقي دولة البغي قال في رد على سؤال عن أن هؤلاء الذين قتلوا قتلوا في عرض البحر، أو "أعالي البحار" كما هو التعبير القانوني، قال: "نحن سادة المنطقة"!

 

ألا من مسمع سادة المنطقة وساسة المنطقة؟! ما معنى أن يفرض الحصار على قرابة مليوني غزي أن يقولوا ربنا الله ثم لا يجرؤ إخوانهم في العقيدة أن يمدوهم بلقمة العيش؟ ما معنى أن يموت المسلم لنقص الدواء، وأن يموت الأطفال لنقص الحليب والغذاء، وأن يظل مئات الألوف يلتحفون العراء، ما معناه؟ ما معنى الشلل الذي يصيب العالم العربي؟ هل تقنعوننا بأننا أي الأربعمئة مليون ضعفاء أمام أربعة ملايين، وعلى أي أساس؟

 

إنه فساد العقيدة! لا تفلسفوا لنا الأمور! إن سبعمئة مليون هندي يخشعون أمام بقرة أو تمثال بوذا! وإن أربعمئة مليون عربي تتجمد الدماء في عروقهم إذا نهرتهم "إسرائيل". أليسوا قد سرقوا مياهنا وصمتنا؟ أليسوا قد مزقوا جمعنا وأضعفوا دولنا وسكتنا؟ أليسوا قد هددوا أقصانا وتجرعنا الغصص ولم ننبس ببنت شفة؟ أليس تآمروا على خنق ثمانين مليون مصري عطشاً بتخزين مياه النيل وراء خمسة سدود تمولها شركات الموساد في الدول الإفريقية الهزيلة العميلة؟ هل أبدينا أي رد فعل؟ هل سمعنا كلمة؟ لماذا يفتشون مناهجنا بحثاً عن كلمة يفسرونها على هواهم فتتغير قبل أن يطلبوها؟

 

المطلوب اليوم انتفاضة عقدية. إن التوحيد في القلوب على شفا ما لم تحارب "إسرائيل". إن مصداق توحيدكم وتوحيدكم أن تكفروا بـ"إسرائيل" وتؤمنوا بالله القدير الجليل.

 

إذا كانت "إسرائيل" قوية برؤوسها، فنحن أقوياء بالله أولاً، ثم بقوتنا العقدية والمعنوية وعظمة إنساننا.

 

إن الأصنام معظمة في نفوس عابديها، محقرة مقزمة في نفوس الكافرين بها. من يقول لهؤلاء الطواغيت الصهاينة والأمريكان: "كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً" الممتحنة 4. هل قرأت اسم السورة؟ إنها الممتحنة. وهذا الموقف امتحان إيمانكم. إن الأمة كلها اليوم ممتحنة! أليس الشرك طاعة المخلوق في معصية الخالق، ومحالفة من يحارب الله ورسوله ويقتل المؤمنين أن يقولوا آمنا برب العالمين؟

 

الأمر خطير جداً يا قوم! إن عقيدتكم اليوم على المحك وتوحيدكم اليوم يمتحن! "َتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ" التوبة 13، "إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" آل عمران 175.

 

إن الشيطان هو الذي يخوفكم من هؤلاء الجبناء الأنذال، المسألة برمتها أن نؤمن فنتحرر من عقدة الخوف وشِرك الخوف وشَرك الخوف.

 

أن نؤمن أن الأمر كله لله، وأن الأمر كله بيد الله، وأن العزة لله، وأن النصر من عند الله، لا كلاماً نردده، ولكن يقين نعتقده، وعمل نجتهد في إنجازه على الأرض واقعاً.

 

وإلا فقل لي لم لا يخاف أهل غزة خوف باقي العرب؟! هل عندهم من القوة المادية ومن الدعم اللوجستي، ومن الموازنات والنفط والقوة السياسية، والزخم الإعلامي، والموارد الاقتصادية، ما ليس عند باقي أمة العرب؟ الجواب بالقطع لا.

 

إنهم يملكون، ما لا يملك كثير من العرب. لقد كفروا بالطاغوت وآمنوا بالله الذي له الجبروت والملك والملكوت، واعتمدوا على الحي الذي لا يموت.

 

هذا سر قوتهم. يا أمتنا، هذه خطوتكم الأولى في دروب الإيمان، ودروب الصراع مع جند الشيطان، فاخطوها ولا تترددوا.

 

إن فرعون هذا الزمان طغى وبغى، وقال أنا ربكم الأعلى، فلا بد أن يذهب موسى هذه الأمة إلى فرعون هذا العصر ويتحداه، حتى يمن الله على الذين استضعفوا ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين. إن البطش الذي مارسه المجرمون لا يدل إلا على ضعفهم وهزيمتهم النفسية. إن انكشاف حقيقة هذا العدو مكسب عظيم، إن كسب تركيا مقابل ستة عشر شهيداً تركيا مكسب عظيم.

 

إن العدو يريدنا أن ننكسر ونحبط ونهزم، وليكن استنتاجنا نقيض ما قصد العدو وما هدف.

 

يا أمة مُحطِّم الأصنام، واجبكم تحطيم صنم هذا العصر، وشهداء قافلة الأحرار ضربة معول "إبراهيمية" في بنية هذه الدولة الصنمية. وتقبل الله الشهداء ورزقنا ما رزقهم!