أكاد لا أصدق ما يجري في عالمنا العربي والإسلامي، فقد عادت القضية الفلسطينية للحياة بقوة وعنفوان في قلوب أحرار أبناء أمتنا الشرفاء، خاصة المثقفين والسياسيين والأكاديميين والكتاب، لتشغلهم بجد، وتهمهم كثيراً، لتعود من جديد قضية للعرب والمسلمين أجمعين، بعد أن هُمشت بقصد لعقود عديدة، واختزلت في قضايا فرعية ومفاوضات عبثية، وبعد أن غرقت الدول العربية طيلة تلك العقود، في الحديث عن السلام مع الكيان الصهيوني، بل الجري وراء سراب السلام، ولم تتمكن الدول العربية من وضع استراتيجية عربية لمواجهة العدو الصهيوني، رغم استمراره في اغتصاب فلسطين والاعتداء على شعبها وانتهاك حقوقه وكرامته.
صار الصراع مع العدو الصهيوني مجرد كلام لا طعم له ولا لون ولا رائحة؛ يذر في العيون، ويستخدم في تجميل الصور وإخفاء العيوب وتبرير القمع والاستبداد، بينما مُهدت منطقتنا العربية لدمج الكيان الصهيوني فيها، وهرولت بعض الأنظمة الرسمية العربية للتطبيع مع الكيان الصهيوني، وعقد اتفاقيات سلام معه، وفتح سفارات أو مكاتب دبلوماسية له في العواصم العربية. وصار السلام استراتيجية عربية وخياراً وحيداً في مواجهة المشروع الصهيوني.
وفي ظل هذه الاستراتيجية العجيبة، اكتفت معظم الدول العربية بالتعبير عن الشجب والتنديد بالعدوان الصهيوني ضد الفلسطينيين واللبنانيين، بل خففت بعض الجهات الرسمية العربية والفلسطينية من لهجتها تجاه العدوان الصهيوني، فصارت تستخدم عبارات لا معنى لها، مثل الامتعاض (!!) من المجازر الصهيونية. بل عز على تلك الجهات في السنوات الأخيرة توجيه تلك العبارات الفارغة المضمون للكيان الصهيوني؛،عند عدوانه على شعبنا، خوفاً من سخط البيت الأبيض الأمريكي، وتقرباً إلى الإدارة الأمريكية، بل تواطؤاً مع الكيان الصهيوني ضد شعبنا وأمتنا، وتغاضياً عن الخطر الكبير الذي يشكله على أمتنا.
واكتفى النظام الرسمي العربي بالتوسل على عتبات منظمة الأمم المتحدة والبيت الأبيض الأمريكي، بدلاً من وضع استراتيجية قوية لمواجهة الكيان الصهيوني، ومحاصرته وفضح ممارساته.
فما هو المنطق العجيب الذي تتعامل وفقه تلك الأنظمة العربية مع الكيان الصهيوني؟
الكيان الصهيوني يشكل خطراً كبيراً على منطقتنا، لأنه كيان غير شرعي، أقامته العصابات الصهيونية المجرمة على أرض فلسطين بعد اغتصابها بالمجازر الدموية البشعة ضد أصحابها الفلسطينيين. ولأنه كيان وظيفي عسكري زرعته القوى الاستعمارية الغربية في وسط المنطقة الإسلامية، ويمتلك ترسانة نووية.
ولأنه كيان عدواني توسعي يؤمن بمبدأ الضربات والحروب الاستباقية الوقائية، فيضرب هنا، ويبطش هناك، ويستولي على الأراضي، ويرنو إلى الوطن العربي الكبير، ليقيم عليه إمبراطورية يهودية من النيل إلى الفرات. ولأنه يمتلك اقتصاداً قوياً يستطيع به ابتلاع اقتصاد العرب جميعاً، واستغلال القوى العاملة في الدول العربية، لخدمة اقتصاده، ونهب ثروات العرب، وسرقة مياه النيل... فما الذي يجعل النظام الرسمي العربي يتبنى السلام خياراً استراتيجياً وحيداً للتعامل مع هذا الوحش الخطير والكيان السرطاني؟!
إنها حسبة سياسية عربية عجيبة، لا تستند إلى منطق إطلاقاً، فالمنطق يقول : إن الدول العربية والإسلامية تستطيع كبح جماح هذا الوحش الدموي، وقطع رأسه، ومن لا يصدق ذلك فعليه أن ينظر إلى الشعب الفلسطيني للعدو الصهيوني، إن انتفض ضد القهر والعدوان، فأدمى أنف الكيان الصهيوني...
وانظروا إلى غزة، التي مرغت أنف الكيان الصهيوني في الأوحال، ونجحت في تفكيك مغتصباته وفي دحره، وأسقطت أسطورة الجيش الصهيوني الذي لا يقهر، وحولت حصاره إلى حصار مضروب عليه. ولا تزال غزة؛ بقيادة حماس والحكومة التي تتولاها، ومعها فصائل المقاومة ، وأحرار العرب والمسلمين، لا تزال تستنزف الكيان الصهيوني، بشرياً وسياسياً وعسكرياً وإعلامياً، وقد أظهرت للعالم أنه كيان عصابات صهيونية مجرمة، اغتصبت أرضنا ، وأقامت عليه كيانها السرطاني. وهناك حالة مقاومة أخرى في جنوب لبنان، حيث المقاومة الإسلامية بقيادة منظمة حزب الله، التي أجبرت العدو الصهيوني على الانسحاب من لبنان، وأصبحت تشكل تحدياً كبيراً للكيان الصهيوني، واستعصت المقاومة الإسلامية في كل من غزة ولبنان على الهزيمة، وصار الكيان الصهيوني يحسب لها كل الحساب، وترتعد فرائصه منها.
ولذلك فنحن أمام حسبة سياسية عربية عجيبة، ووصفة سياسية أعجب؛ حسبة ينتج عنها السكون والشلل الشامل، ووصفة يمتزج فيها الغباء السياسي، والتخاذل، والتواطؤ، والخداع السياسي لشعوبنا العربية، لتنتج لنا صمتاً، وامتعاضاً، وربما في المستقبل وحاماً سياسياً!