شتان بين غزة ورام الله

نشر 31 مايو 2010 | 02:43

تمخر سفن أسطول الحرية عباب البحر الأبيض المتوسط، وعلى متنها مئات من أحرار العالم وشرفائه المتضامنين مع غزة، قاصدين شاطئ غزة المحاصرة، في تحد وثبات ويقين، وإصرار على كسر الحصار الصهيوني الظالم، وكسر حالة الصمت العربي، على جرائم العدو الصهيوني المتواصلة ضد الغزيين المحاصرين، والتضامن مع غزة الثبات والمقاومة. فحركت سفن الحرية القضية الفلسطينية، وحركت معها العالم كله، وكأنها تمخر بحر الصمت والتخاذل والتواطؤ الرسمي العربي، الذي يهمش القضية الفلسطينية، وتبقي غزة رهن إرادة العدو الصهيوني، وتحت وطأة وحشيته وظلمه وعدوانه.

 

هكذا استطاعت غزة؛ بثباتها ورباطها ورفضها للانزلاق في مستنقعات التسوية ومتاهات المفاوضات العبثية والسلام الزائف، أن تحرك ضمائر أحرار العالم وشرفائه، من كل الملل والدول، ولا سيما العرب والمسلمين، وأن توحد صفوفهم وجهودهم، وتفتح لهم آفاق الاشتباك مع العدو الصهيوني، لفضح جرائمه ضد الشعب الفلسطيني، وتعميق أزمة العلاقات العامة التي يعاني منها، وإظهار وجهه القبيح، وتفعيل البعد الدولي للحصار؛ كونه عدواناً على الشعب الفلسطيني، وكشف ما يتعرض له نحو مليوني محاصر في غزة من عدوان صهيوني غاشم ومتواصل، على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي الظالم، الذي يضغط على حركة حماس والحكومة من أجل التنازل عن حقوق الشعب الفلسطيني والاستسلام للعدو الصهيوني، بينما يطلق العنان للمغتصبين اليهود والصهاينة كي يستولوا على الأرض الفلسطينية، ويقتّلوا شعبها المرابط، ويهجروه من أرضه.

 

أما سلطة رام الله، فلها نهج مختلف تماماً في التعامل مع القضية الفلسطينية والعدو الصهيوني، فهي تعمل على تقزيم القضية الفلسطينية، وتسطيحها، واختزالها، ونزعها من سياقها العربي والإسلامي، وتعطيل عمقيها العربي والإسلامي، وحصرها في حكم ذاتي فلسطيني محدود جداً لا يرقى أبداً إلى الحد الأدنى لمستوى الطموحات الفلسطينية. وبدلاً من التعاون مع المتضامنين العرب وغير العرب مع القضية الفلسطينية من أجل الضغط على العدو الصهيوني وفضح ممارساته الوحشية والعدوانية، فإن سلطة رام الله تتعاون مع الراقصين والمغنين والممثلين، من كل الدول، وتقيم لهم مهرجانات سنوية، لإلها أبناء الشعب الفلسطيني عن المقاومة، ولإيجاد بدائل هزيلة لمقاومة العدو الصهيوني؛ عبر الرقص والغناء والتمثيل، والاختلاط بين الجنسين في بيئة ماجنة فاسدة، ما يمحق الرجولة وينشر التخنث والدياثة، بينما تتعاون سلطة رام الله مع العدو على استئصال المقاومة وحماية أمن الكيان الصهيوني.

 

ليس ذلك فحسب، بل تساهم سلطة رام الله في تحسين صورة العدو الصهيوني المقززة، من خلال الجلوس معه على طاولة المفاوضات العبثية، والالتقاء بين ضباط من حركة فتح وضباط صهاينة في "تل أبيب" وغيرها، سراً وجهراً، وإظهاره للعالم وكأنه يبحث عن السلام، وتسوغ للعالم محاصرته لغزة، وتلتمس للعدو الصهيوني الأعذار على عدوانه وإجرامه، بينما لا يكف عن هذا العدو عن العدوان والتهويد واغتصاب الأرض والتنكيل بالشعب الفلسطيني. كما تشوه سلطة رام الله سمعة الشعب الفلسطيني؛ عبر استخدام الأجهزة الأمنية التابعة لحركة فتح في محاربة المقاومة في الضفة المحتلة، ووضع هذه الأجهزة تحت تصرف الجنرال الأمريكي "كيث دايتون" وغيره من العسكريين الأمريكيين والأوروبيين.

 

وبينما تعمل غزة على كسب التضامن العربي والإسلامي والعالمي للقضية الفلسطينية، وتشد إليها أفئدة الأحرار والشرفاء المناهضين للصهيونية العالمية والاستعمار الغربي، تتحول رام الله إلى ملتقى للتآمر الأمريكي والأوروبي على الشعب الفلسطيني، يؤمه الدبلوماسيون الأمريكيون والغربيون الداعمون للكيان الصهيوني والمتآمرون على المقاومة الفلسطينية، وتشد إليها قلوب اللاهثين وراء سراب التسوية، والمغنين والراقصين والممثلين!

 

وخلاصة القول؛ تمثل غزة حالة ثبات وممانعة ومقاومة في منطقتنا عامة، وفي فلسطين المحتلة خاصة، ليس فقط للمشروع الصهيوني، بل أيضاً لمشاريع الهيمنة الأمريكية على منطقتنا وشعوبها، في مقابل حالة الهزيمة والاستسلام التي يحاول الصهاينة والأمريكيون فرضها علينا، وهذا هو السبب الأهم في جعل أفئدة الأحرار والشرفاء من أبناء أمتنا العربية والإسلامية ومن العالم كله تهوي إلى غزة وتتضامن معها، وتتحمل الصعاب والأخطار والمعاناة من أجل نصرتها، وتسير هذا الأسطول الكبير إلى شاطئ غزة. وسواء أوصل الأسطول إلى غزة أم حال العدو الصهيوني دون ذلك، فإن تسييره يعد فتحاً كبيراً للقضية الفلسطينية، وضربة كبيرة للحصار، ولرؤوس المحاصرين لغزة والمتآمرين على الشعب الفلسطيني.