اسندني وأسندك

نشر 28 مايو 2010 | 12:20

قانون اسندني وأسندك إذا غاب عنه الايمان، أصبح وبالاً على الجماعة التي ينتمي لها الساند والمسنود، وإن الإسناد في إحقاق الحق واتباع الشرع، وأي إسناد في رضا الله والمساعدة في تحقيق مبتغاه، كان إسنادا مشروعا محببا يرخي بنتائج على الجماعة ويعزز من مكانتها ويقوي من شوكتها، لأنه إسناد للحق على الباطل لا هوى فيه ولا مصالح.

 

لدينا فهم مغلوط لقانون اسندني وأسندك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وضح الأمر وضوحاً لا غبار عليه عندما قال : " (انصر أخاك ظالما أو مظلوما) فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالماً، كيف أنصره؟ قال: (تحجزه)، أو (تمنعه من الظلم، فإن في ذلك نصره)، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

 

هذا هو الإسناد الذي يرضى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم، أما الإسناد من أجل التغطية على خطأ أو خطيئة، ولمداراة الأخطاء، لمنفعة أو مصلحة، أو المساندة في أمر فيه مخالفة دينية أو دنيوية فهو الإسناد الضار والمرفوض والذي علينا أن نتجنبه بأي حال من الأحول.

 

القائد بحاجة إلى إسناد، والقائد ليس الحاكم فقط، بل هو كل شخص يقود عملاً ما في أي مؤسسة أو دائرة، والإسناد هنا هو العون، ومن منا في غنى عن العون والمساندة، والقائد أحوج إلى المساندة، فلا تكفي القوانين والنظم والتي توضع من الجهات العليا، فوحدها ليست كافية للإسناد أو العون، بل القائد بحاجة إلى مساندة الجميع على كافة المستويات، والإسناد هنا ليس للتغطية على مفسدة أو تجاوز أو غير ذلك، بل الاسناد هنا هو من أجل العون على إحقاق الحق ونصرة المظلوم، وليس للمداهنة أو ( الخطرشن)، أو لتبادل المنافع.

 

والقائد المبدع بحاجة إلى إسناد، لا إلى تقييد، بقوانين ونظم، فالقائد ليس آلة ميكانيكية بيد الجماعة، أو الهيئة أو المؤسسة، يمكن تشغيلة بدعسة زر، أو "بالرمونت كنترول"، عند الحاجة أو إسكاته بنفس الدعسة( كبسة زر)، عند تحركه أو توقفه، هذا منطق لا يتيح للقائد درجة من الإبداع، منطق يشكل القيد الذي ينافي الحرية، فالإبداع بحاجة إلى حرية، لا إلى تقييد، نماذج كثيرة قُتل فيها القادة المبدعون نتيجة هذا التفكير المقيد للحرية والإبداع، فيبقى العمل في مكانه بلا تطوير أو يأخذ في العد التنازلي مع مرور الزمن.

 

القائد المبدع بحاجة إلى حرية، وبحاجة الى إسناد، لأنه مجموعة من المشاعر والعواطف، لو تكبلت بالقوانيين الجامدة، فهذا يعني قتلاً للإبداع، قتلاً للاجتهاد، فالاجتهاد لا ينطلق من قوالب جامدة، ولكن الاجتهاد ينطلق من أصول ثابتة، يمكن تقديم بعضها وتأخير بعضها وفق مقتضيات الحاجة، والاجتهاد لا يعني خروجاً عن النص، ولكن الاجتهاد محاولة توظيف النص بما يتفق مع الواقع المعاش دون الابتعاد عن الاصول.

 

القائد المبدع بحاجة إلى فك قيوده، من الروتين والخوف، والقانون الجامد، والتبعية المقيتة، فالقائد فارس ولديه فراسة، يجب أن يطلق لها العنان وفق الأصول المتبعة، بعيدا عن الحرفية، والتنفيذ، وحتى لا يتحول إلى آلة جامدة، يجب أن يترك له العنان ، ولفراسته المجال، بعد أن توضع له الحدود، كالقطار له سكة، وقائده هو الذي يرى كيف يمكنه القيادة وفق مقتضيات الحال.

 

القائد يجب أن يترك له هامش الحرية في اختيار الأعوان، حتى ينجز العمل على أكمل وجه، لا أن نفرض عليه أعواناً لا يتوافقون مع قيادته بما يحقق النفع العام، ثم نطلب منه أن ينجز الأعمال، لأن الأعوان ما لم يكونوا وفق منهاج العمل الذي يدركه القائد، وإلا لماذا هو قائد، عندها لن يتم إنجاز العمل، وتكون النتيجة الفشل، ليس في القائد ولكن فيمن قبل هذا القائد وقيد حريته.

 

أوامر القيادة مطلوبة، ولكن تقييد القائد بحرفية الأمر، وأهواء التفسير بين القدامى والمجددين، وظنون المتهجسين وأهواء العاطلين، فيه ظلم كبير، ويترتب عليه إجحاف بحق القائد وطمس لقدراته، ثم نقول لماذا نتخلف عن الركب، ولا يحالفنا التقدم، وقد تجد من يتنافسون دهرا، ويكون شرط صلحهم نحر الأمير، وهذا ظلم.

 

وأختم بقول صاحب الفتن الذي استوحيت منه مقالتي، وفيه رسالتي " كم من فتنة يبرع أصحابها في تغليفها بغلاف، فلا تُرى، ويظن الواعظون أنه ليس ثمه شيء، فيشكرونهم.

 

ساقة ترتاد..... وقادة تنقاد  تلك هي الفهاهة.