لا تزال المخابرات الفلسطينية قادرة على إدهاشنا. وكلما ظننا أن رحلة السقوط الحر للمبادئ قد وصلت إلى نهايتها وأننا سمعنا صوت الارتطام بالقاع, فإن المخابرات تعود لتؤكد لنا أنه في رحلة الانحدار الوطني فليس هناك من قعر. ولا أقصد هنا جهاز المخابرات بالمعنى الخاص بل كل الأطر الأمنية الفلسطينية التي يعمل فيها أجناد دايتون. وآخر صولات من سماهم الجنرال بـ"الفلسطينيين الجدد" جديرة فعلاً بالنظر؛ وأعني هنا اعتقال الأخت ميرفت صبري زوجة الأسير عبدالفتاح شريم ، واعتقال الأخ حازم الفاخوري زوج الكاتبة الفلسطينية المبدعة الأخت لمى خاطر.
يكمن وجه التميز في هذين الاعتقالين في أن الأخت ميرفت تعتقل لأن زوجها الأسير آوى شهداءهم القسامي إياد ابتلي وصحبه، حين قررت قوات فتح وفياض أن تحارب حرب الكيان الصهيوني ضد المطلوبين من نشطاء المقاومة. ميرفت تلام لأنها كانت مع زوجها في مهمة إيواء شهداء يتعقبهم العدو الصهيوني ، ويطاردهم منذ عهد بعيد يسبق مرحلة "الانقسام". ميرفت تحاسب لأنها "مشت على طوع زوجها" ، ولم تكن "تقدمية" بما يكفي لتقول لزوجها إن إيواء القساميين لا ينسجم مع شروط "المرحلة" و"خارطة الطريق" وخيار السلطة "الاستراتيجي". ويبدو أن فقد حرية زوجها وتدمير منزلها وجراحها التي أصيبت بها حين حوصرت مع أطفالها تحت النيران – كل ذلك لم يشف غليل قوات دايتون بعد.
أما الأخت لمى خاطر فيعاقب زوجها بالاعتقال كوسيلة للضغط على زوجه الكاتبة لتتوقف عن كتابة مقالات تنتقد الأجهزة الأمنية والذراع السياسية لهذه الفئة المتسلطة على المقاومة في الضفة. إذن تبدو السلطة الفلسطينية هنا, بل هي فعلاً تريد من حازم الفاخوري أن يصدر فرماناً عائلياً رجعياً يطلب بموجبه من زوجه الصمت وعدم الكتابة "حرصاً على المصلحة الوطنية العليا"، وانصياعاً لرجعية أخذ الرجل بجريرة زوجه (لو سلمنا أن الكتابة ضد حكومة خازن بيت مال المانحين جريرة وجريمة).
أي في الوقت نفسه يتم تجريم "محافظة" الأخت ميرفت واتباعها لدرب زوجها الأسير في إجارة المجاهدين، وتتم محاسبة الأخ حازم الفاخوري لأنه لا يلزم زوجه بالتوقف عن الكتابة، ولا يلتزم بمعايير المحافظة العائلية الرجعية التي يبدو أنها في هذا السياق بالذات قد راقت لجهاز المخابرات الدايتوني. فما بال الفلسطينيين الجدد لا يستقرون على حال عندما يعاقبون أصالة "الرجعية" في حين، ويقمعون "تقدمية" استقلال الذمة والرأي السياسي بين المرء وزوجه في حين آخر؟ وأين ذهب صوت فتح حامية حمى "الأقليات الدينية" و"حقوق المرأة" و"المواطنة"، وهي التي تعالى صراخها حين فازت حماس في الانتخابات، خوفاً على كل ما أنجزه المشروع التقدمي في فلسطين؟
بالنسبة للمخلوق الفلسطيني الأمني فهو ليس برجعي ولا بتقدمي. هو كائن بسيط لا يملك ترف التفكير المعقد الذي تمارسه الثدييات العليا. هذا الرجل يتبع المثل الشعبي البراغماتي والانتهازي القائل: "اللي تغلب به العب به"! وهو لذلك يمكن أن يجمع بين الثورة والغضب حين تؤدي الزوجة دوراً تكميلياً لدور الرجل (الاخت ميرفت وزوجها الأسير عبدالفتاح)، مع الثورة والغضب أيضاً حين يكون للزوجة قرارها المستقل الذي يحظى بدعم الرجل (الأخت لمى وزوجها الأسير حازم). المعيار الوحيد لتقرير ردود الأفعال عند هذا الكائن هو المصلحة الدايتونية والرؤية الأمريكية الصهيوينية للصراع؛ فحيث اتجهت هذه فثمة مصلحته الخاصة و"المصلحة الوطنية العليا".
وليس الجمع بين المتناقضات هذا حكراً على رجل الأمن؛ بل هو يطبع صفات عناصر الأذرع الأخرى لهذا الكيان الفلسطيني من سياسية وإعلامية. فبينما ينهى وزير الأوقاف الإسلامية في حكومة فياض جمهوره الفلسطيني عن مجرد التفكير في نقل غضبهم من قيام المستوطنين بحرق المساجد في الضفة للشارع – على اعتبار أننا لا يجب أن "ندفع" لردود أفعال "غير محسوبة" تعرض ما "أنجزناه" على صعيد "بناء المؤسسات" للخطر – فإنه يتحدث عن ضرورة تطبيق حد مفارقة الجماعة على خصوم محمود عباس...وكأني بالوزير الهمام قائداً من ثقيف أو باهلة لدى أحد خلفاء الجناح المرواني من دولة أموية تسيطر على البلاد من مراكش غرباً إلى سد الصين المنيع شرقاً! وليس مجرد وزير – إن صحت التسمية تجاوزاً – في كيان فلسطيني وهمي متعامل مع الصهاينة.
يجب على هذا الفريق أن يتحمل العواقب الوخيمة لتصرفاته. ولا يمكن إسقاط العقوبة الأدبية والأخلاقية الواجب تعجيلها فوراً ثم المادية الفعلية - حين تتوافر الشروط اللازمة - عن عناصر هذا الفريق وتحت أي ظرف. فما هو مدخل العقاب الأدبي والأخلاقي المتاح حالياً؟ لا بد من أن تبدأ العقوبة الأدبية والأخلاقية من هذا المستوى: بفرض ردع اجتماعي وأهلي على هذا الفريق المارق وطنياً وجعله يتحمل التبعات الأليمة لهذا الفحش الوطني وهذه الخيانة للتراب والدم. لا بد للشعب الفلسطيني من وقفة حاسمة مع نفسه يبدأ فيها بإنزال العقوبة بهؤلاء منذ اللحظة؛ ولو "بالتكشير" في وجوه القاطعين؛ ولو "بتلقيح الكلام عليهم" وتأنيبهم على ما قارفوه أو سكتوا عن قيام زملائهم به؛ وصولاً إلى خلعهم كما كانت العرب تصنع في الإسلام والجاهلية! ففضلاً عن أن هذا قد يفعل فعله ويعيد بعض المضللين منهم إلى رشده؛ فإن هذا أدعى لأن يهز قدرة هذه الأجهزة على إتقان ما اضطلعت به من مهمة تدمير المقاومة في فلسطين وقتل كل محاولة للانعتاق الجهادي وهي في مهدها؛ حين اتبعت هذه الأجهزة سياسة الباب الدوار لإنهاك عناصر حماس والجهاد بالاعتقالات المستمرة، وحين ضربت بالنار كل من يفكر في المقاومة حتى من عناصر فتح ذاتها. إن عدم استقرار أفراد جيش دايتون اجتماعياً وإحساسهم بأن ما يبنونه يتهاوى – سواء كان هذا البناء بيتا وأسرة أو وضعا اقتصاديا جيدا أو مركزا وظيفيا "محترما" - إحساسهم بأن هذا كله يتهاوى، ولا يرفع خسيستهم في أعين الناس والأهل والأصهار والأقارب، سوف يهز قدرتهم على الإنجاز. لو تتابعت على هؤلاء المواقف الناقدة سواء حين يكونون في حضرة الأهل أو حين يحضرون عزاء أحدهم في ديوان العائلة فإن الاضطراب سيتسلل إلى دواخل أنفسهم؛ ولو تظاهروا على الملأ بالقوة والتجلد وعدم الاكتراث (مع التسليم بأن "الكلاحة" قد أخذت ببعضهم كل مأخذ). ولنا في الطريقة التي هز فيها حزب الله وماكنته الإعلامية وعي جنود جيش لبنان الجنوبي أسوة؛ فلم يأت أيار العام ألفين إلا والميليشيا منهارة ، وبرسم السقوط عند أول عصفة ريح، ودون طلقة نار واحدة.
على الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية أن يوقف مسلسل الانحدار ولو بالكلمة. فإن لم يفعل فإن شيئاً لن يمنع كرامته من أن تحلق فيما أكرم نسائه تطارد وتحارب بكل خسة ونذالة.
مقدمات الظرف الحالي لم ولا تبشر بخير؛ فقد سكتت الضفة على الضيم – ونعني هنا ظلم ذوي القربى - طويلاً. لكن معرفتنا بالقدرات الفذة لهذا الشعب تجعلنا لا نفقد الأمل في صحوة مفاجئة تنفض عنه غبار العجز وتنقذ نساء فلسطين من الإهانة على مذبح المندوب الأمريكي السامي. ولعل وقفة الصمود الشجاعة للأخت لمى خاطر لتكون زينب الغزالي الفلسطينية، ولتكون قائدة لركب النساء الفلسطينيات التقدميات (غير المبتذلات) بحق، وكممثلة لفريق النساء المحافظات محافظة راشدة وعاقلة – لعل هذه الوقفة تكون شرارة من شرارات تقدح نيران التغيير في ليل الضفة البارد والطويل.