كنت أتبادل أطراف الحديث مع جار لي، وإذا به يسأل عن موضوع هدم البيوت الذي جرى في مدينة رفح جنوب قطاع غزة ، ويبدو أن جاري يشاهد تلفزيون فلسطين الذي يبث من رام الله، والذي يبدو أنه سلط الضوء على قضية قيام بلدية رفح بالتعاون مع الشرطة وسلطة الأراضي بإزالة التعديات التي تقع على الأراضي الأميرية ( الحكومية ) في مدينة رفح، والتي لم تقتصر على رفح بل تعدتها إلى كل أنحاء قطاع غزة.
قلت لجاري أن الذي جرى هو أن هناك عدداً من المواطنين يعتقدون أن بناء سور، أو بعض الغرف على أرض هي ليست ملكا لهم، أو أنهم تعرضوا لعملية نصب من قبل سماسرة باعوا لهم أرضا ليست لهم، وهي أراض حكومية، وكذلك جزء ممن اشترى هذه الأراضي يعلم أنها أرض حكومية، ورغم ذلك اشترى منها من منطلق سياسة الأمر الواقع، وأن الحكومة عندما تجد هذه المباني سوف تتغاضى عنها، وإن كنت أستبعد مسألة الاستغفال من قبل السماسرة للمشترين لهذه الأرض بعقود مزيفة، خاصة لو علمنا أن الثمن الذي اشتريت به الأراضي زهيد قياساً بأسعار الأراضي في القطاع، فمثلا منهم من اشترى هذه الأراضي بعشرة دنانير للمتر الواحد، أو خمسة عشر دينارا، علما أن ثمن المتر من هذه الأراضي لو كان ملكا لصاحبه ويريد بيعه قد يزيد على مائة دينار، ومنها أكثر.
ما يجري يا جاري العزيز هو أن هناك وضع يد من قبل عدد من المواطنين على ممتلكات تعود للحكومة، وهناك قرار حكومي بعودة هذه الممتلكات إليها، وإزالة أي مبان أقيمت بغير وجه حق، هذه الأرض ليست ملكاً لأحد، وإن كانت ملكا لكل المجتمع، ولكن المتصرف فيها هي الحكومة، والتي هي صاحبة الحق في أن تفعل بها ما يخدم المصلحة العليا للمواطنين سواء عبر منح هذه الأراضي للجمعيات، أو المؤسسات التعليمية، أو الصحية، أو لإقامة مشاريع تخدم المجتمع، أو مشاريع منفعة عامة كالمتنزهات، أو الساحات العامة التي تشكل متنفساً طبيعياً للمواطن.
هذه هي الصورة الحقيقية لما جرى في مدينة رفح، والذي سيجري في كافة المناطق التي فيها تعد على الأراضي الحكومية، وخاصة أن هذه ليست المرة الأولى التي تتم فيها مثل هذه الإزالة، وقد أوضحت الحكومة أنها تعتزم إزالة كافة التعديات، وحذرت من قيام بعض السماسرة ببيع أراض حكومية، وحذرت المواطن من الشراء، ورغم ذلك تجد البعض يفعلون ما يعلمون أنه تعد، وعندما تأتي الحكومة لإزالة هذا التعدي تجد من يعتبرها جريمة من قبل الحكومة، علما أن الجريمة هي ما ارتكبه المواطن من بناء على أرض هو يعلم أنها ليست ملكه، أو ملك السمسار، إنما هي ملك للحكومة.
الواقع يا جاري العزيز يقول إن الحكومة عندما قامت بإزالة هذا التعديات هي تدافع عن حقي وحقك، وحق كل الناس في الانتفاع العام بهذه الأراضي الحكومية ( الأميرية)، من أجل خدمة المجتمع، وليس من أجل بيعها لحساب أشخاص هنا أو هناك، وهذا التعدي هو كتعدي أي إنسان على ملك غيره من الناس، فمن حق المُعتدى عليه تحرير أرضه عبر الوسائل القانونية والشرعية، ومن خلال الحكومة، والحكومة بالنسبة للأرض الحكومية هي شخصية اعتبارية تقوم مقام أي مواطن اعتدي على أرضه.
حرك جاري رأسه بشكل متتال وقال: والله الحكومة على حق فيما قامت به، ولو ترك الأمر للناس أن تفعل ما تريد وأن تعتدي على الأراضي الحكومية يكون ميزان العدل مختلاً، والسكوت على هذه التعديات فيه تفريط في الحق العام، الأمر الذي يجرمه القانون.
ولكن يا جاري العزيز, على الحكومة والجهات المسؤولة أن تستنفد كل الإجراءات الواجب اتباعها من توضيح وإخطار، ومطالبة عبر كافة الوسائل والسبل، وإذا كانت هناك عمليات نصب من قبل بعض السماسرة، أو تجار الأراضي للمواطنين يجب على الحكومة أن تقوم برد المظالم للمواطنين؛ لأنها هي من يملك القدرة على ذلك، وفي ذلك إنصاف للمغرر بهم، وطريق لوقف كل عمليات التحايل و الغش للمواطنين.