نحو ثقافة مغايرة للتعامل مع المعاق

نشر 14 مايو 2010 | 12:08

لا يخلو مجتمع من المجتمعات في العالم من المعاقين، والإعاقات بين الناس درجات، وربما في غالبيتها لا تشكل عبئاً على كاهل المجتمع، ولو أحسنا التعامل معها وتدريبها، وتأهيلها لأصبحت أدوات منتجة في المجتمع، وذات قيمة مثلها مثل بقية أفراد المجتمع، الأمر الذي يساعد في زيادة الدخل القومي، والذي هو في الأساس مكون من دخل المجتمع كله، وكذلك من خلال التأهيل يمكن أن نخفف عن كاهل المؤسسات الحكومية أعباء تحمل نفقاتهم، ورعايتهم.

 

ما أثار انتباهي للكتابة في هذا الموضوع هو الطريقة الخاطئة التي يتعامل بها المجتمع مع أصحاب الإعاقات المختلفة، وكثير من هذا التعامل كارثي، وينتابه جهل كبير، وسوء تقدير، وسوء التعامل مع المعاقين قد يزيد الحالة النفسية للمعاق تعقيداً يصعب التعامل معها مستقبلاً نتيجة ابتعاد المعاق عن الاحتكاك بالمجتمع، والانزواء جانباً نتيجة الخوف من المجتمع وسوء التعامل، ويصبح الخوف ملازماً للمعاق، وتصبح بذلك الإعاقة مركبة قد لا تجدي معها نفعاً أي عمليات تأهيل في المستقبل، وبذلك نقتل في هذا المعاق إمكانية أن يصبح عنصراً فاعلاً عاملاً منتجاً في المجتمع.

 

من مظاهر سوء التعامل، الاعتداء على المعاقين جسدياً، وهذا الاعتداء أحيانا يتعدى أقرانه في السن إلى كبار في السن وعلى درجة من الوعي، والأخطر من ذلك هو تعامل المؤسسة الأولى للمعاق وهي الأسرة، سواء الأب أو الأم أو الأقارب، وهذا التعامل إما أن يبني نفسية قوية سوية للمعاق تؤهله لمواجهة المجتمع، أو تصنع من المعاق شخصية منهزمة ضعيفة.

 

 

نحن بحاجة إلى تعزيز ثقافة المجتمع في طريقة التعامل مع المعاقين على مختلف نوعياتهم ودرجة إعاقتهم، وأن نشكل ثقافة العون والمساعدة للمعاقين بدلاً من التعامل السلبي بالضرب أو الاستهزاء والاحتقار، وهذه مسؤولية الجميع، البيت، والمدرسة، والمؤسسات المجتمعية

صحيح المعاق بحاجة إلى رعاية خاصة واهتمام زائد، ولكن يجب أن نفرق بين الاهتمام والرعاية وبين الشفقة والعطف، لأن الاهتمام والرعاية واجبة وهي التي تكون بناء على حاجة المعاق البدنية والنفسية، والتي قد تحددها جهة اختصاص وفق دراسة للحالة، ولكن الشفقة والعطف في غير مكانها تكون ضارة، وتأتي بنتائج عكسية في المستقبل يصعب معها بناء شخصية سوية بالنسبة للمعاق، ويجب أن يكون العطف والحنان بشكل إيجابي يشجع على إعادة تشكيل وتأهيل المعاق.

 

الإعاقة درجات، وبعض الإعاقات يصلح معها التعليم في المدارس العامة، وليست بحاجة إلى مدارس خاصة بالمعاقين، والخطورة هنا هو أن يلقى المعاق من قبل مدرسيه إهمالاً أو تهميشاً، هذا يندرج في باب الشفقة على المعاق، والعطف السلبي الذي يضر، رغم أن المعلم لا يقصده، كعدم مشاركة صاحب الإعاقة في النقاش أو عدم السماح له بالنقاش، أو عدم الاهتمام بالواجبات التي يكلف بها الطلاب، لذلك يجب أن لا تمنع الإعاقة المدرس من التعامل مع المعاق بنفس الطريقة التي يتعامل بها مع بقية الطلاب.

 

المشكلة لا تكمن في المدرسين لأنهم على درجة من الوعي، ولكن قد يغيب عنهم التعامل السوي مع الجميع من باب الحالة الخاصة، إنما المشكلة في تعامل الطلاب مع زملاء المقعد سواء في الفصل أو في المدرسة أو ما بعد المدرسة، كالتعامل مع المعاق بنوع من الاحتقار أو الابتزاز، أو جعله مادة للتسلية والضحك أمام الطلاب، أو القيام بضربه ومضايقته بأشكال متعددة تجعل من المعاق عدوانياً، أو منعزلاً وسلبياً، ما يزيد الأمر تعقيداً.

 

نحن بحاجة إلى تعزيز ثقافة المجتمع في طريقة التعامل مع المعاقين على مختلف نوعياتهم ودرجة إعاقتهم، وأن نشكل ثقافة العون والمساعدة للمعاقين بدلاً من التعامل السلبي بالضرب أو الاستهزاء والاحتقار، وهذه مسؤولية الجميع، البيت، والمدرسة، والمؤسسات المجتمعية.

 

وفي هذا السياق مطلوب من الحكومة عمل مسح شامل للمعاقين، وتصنيفهم إلى فئات متقاربة، والعمل على إقامة المؤسسات الخاصة بالتأهيل لهذه الشريحة، الأمر الذي يؤهلها للقيام بدور بناء في المجتمع، ويخفف من عبء الرعاية لهم، والكفالة الاجتماعية.

 

كما يجب على الحكومة أن تستمر فيما أقدمت عليه من استيعاب 5% من موظفي الحكومة من المعاقين كل على حسب نوع الإعاقة، والقدرات المتوفرة لدى كل معاق ما يشكل علاجاً شاملاً تأهيلياً، واستيعابياً لهذه الشريحة.