بقلم: د. عطا الله أبو السبح
أشهد أن عباس وفريقه قد بلغا مبلغ الرجال، والذين تميزهم سمة واحدة هي التمرد على المألوف، والخروج عن الموروث، وعدم الالتزام بتعاليم العائلة وسمعتها، فلا يعرفون إلا (لا) لكل ما يصطدم مع نزواتهم وانفعالاتهم، ويملؤون الدنيا صراخاً وعويلاً لمجرد أن يتوجه أحدٌ لهم بالنصح والإرشاد، ولو كان ولياً حميماً، كم كنا نعاني من هذه الفئة (المراهِقة) يوم أن كنا صغاراً، نلعب معهم حسب ما يريدون، وما تمليه عليهم أمزجتهم وأهواؤهم، وإلا لطردونا من اللعب بعد شلّوط أو شلّوطيْن أو بصقة غالباً ما كانت تصيب هدفها..
وإذا عارضت القرعة رغباتهم أجبرونا أن نعيدها مرة ومرة؛ فنعيدها صاغرين (كولوا بامية)، ولماذا البامية بالذات دون الطبايخ كلها؟ لست أدري!! وها نحن نعاني أيضاً من هذه الفئة وقد صرنا كباراً، فتغلِّبنا أهواؤهم وأمزجتهم وفرديّتهم... والمصيبة الأكبر أن هذه الفئة موجودة في كل زمان ومكان، ومفروضة علينا في كل زمان ومكان؛ لأنهم جزء لا يتجزأ من همِّنا وبلائنا، وكأنهم مسلَّطون علينا لتجديد قدراتنا على الصبر، وتحمّل العذاب أو القهر!! تعددت ألاعيب عباس وفريقه، وتلونت بما يبعث على الحيرة والضيق؛ مما يصل بنا إلى أن (نطقّ)! وقد يسأل سائل: لماذا تتحدث بصيغة الجمع وكأنك الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني؟
لأجيب: نعم، فأنا كذلك بعد أن استعرت لسان حماس والجهاد والجبهتين الشعبية والديمقراطية وجبهة التحرير العربية، الذي قال بصوت مسموع وفصيح: لا لاستئناف المفاوضات غير المباشرة مع اختلاف مبرراتهم ودوافعهم، ولكن الجميع، وبلا استثناء قالها، ورغم ذلك فإن عباس وفريقه قالوا: نعم؛ مما دفع مذيع الراديو الإسرائيلي صباح الأحد الساعة الثامنة إلا عشر دقائق أن يقول وهو يسأل حنَّا عميرة، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية م.ت.ف: كيف أقنعكم عباس فوافقتم على استئناف المفاوضات؟
فغمغم بكلمات كالتي كنا نغمغم بها عندما يطردنا المراهقون من اللعب مع شلّوط أو شلّوطيْن يوم أن كنا صغاراً، وعندما سئل: إن كانت أمريكا قد أعطت ضمانات خطية؟ فأكد الرجل على (لا)، ولكن الإدارة (أي الأمريكية) قالت: إنها ستتخذ موقفاً سياسياً ضد من يقدم على عمليات استفزازية من شأنها عرقلة سير المفاوضات (غير المباشرة) ليأتي بعدها خبر: إن نتنياهو مصرٌّ على أن تكون المفاوضات مباشرة!! وأنا شخصياً لا أفهم الفرق بينهما حتى وإن كان سهلاً أو تافهاً!!
ليقفز على الذهن سؤال: إذا كانت أربعة فصائل، منها الفصيلان الشهيران جداً، أو كما يحلو لأنصارهما أن يصفاهما بأنهما ثاني أكبر فصيل (الجبهة الشعبية) وثالث أكبر فصيل (الديمقراطية) في م.ت.ف قالا: لا، فمن الذي قال: نعم؟ فإذا أضفنا إلى الستة القائلين (بلا) الجبهةَ الشعبيةَ القيادةَ العامةَ وعلى لسان أحمد جبريل، وهو فصيل له حضوره ووزنه وعلاقاته البارزة في الشتات، فمن هم الذين شكلوا الأغلبية مع عباس؟
إلا أن تكون الجامعة العربية فصيلاً ومجلس وزراء الخارجية العرب فصيلاً ودايتون وفريقه فصيلاً ومحمد دحلان فصيلاً والطيب عبد الرحيم فصيلاً وعدنان ضميري فصيلاً والسيد الكبير جداً ياسر عبد ربه فصيلاً وكلهم قد أعطوا عباس نعم للذهاب، إن كان كذلك فحُقّ لعباس أن يكسب القرعة (كولوا بامية)، ولو كان الخبز من البيسح أو الليخم، ولو كان ثمن ذلك كل المياه الفلسطينية التي سرقها اليهود سلفاً، وأمسى فريق عباس (مشمار قفول) بعد أن أصبحوا وأظهروا وأعصروا ومغربوا (وأَعْشَوْا) كذلك!! منذ أن حل المناضلون بيت الطاعة الإسرائيلي، وتعزز دورهم بالتنسيق الأمني، وتسلم دايتون (الدركسون)، حتى لو نُهِبت كل أراضي الضفة الغربية إلا المقاطعة، ولو صارت الخليل كلها (كريات أربع) وصارت بيت لحم كلها قبراً لراحيل!!
لأسأل: أي ديمقراطية هذه؟ وأي منظمة تحرير تلك؟ وأي لجنة تنفيذية؟ وما الفرق بين الخيانة والشرف؟ وما الفرق بين الهوان والذلة والمهانة وبين نقائضها؟ وأي شعب هذا الذي يرضى بكل ذلك، إن كان السكوت لا يزال علامة الرضا؟
ثم ماذا بعد رفض خالدة جرار بعد رفض أستاذها عبد الرحيم ملُّوح؟ ماذا سيقول نايف حواتمة، ذو اللسان الذَّرِب على حماس والجهاد بدعوى التفريط في المقاومة؟ والسؤال الأهم: كيف أقنع عباس من صوّت له (بالأغلبية) فذهب إلى المفاوضات غير المباشرة؟ ثم بعد الأشهر الأربعة هل سيكون عباس عباساً، ودحلان دحلاناً؟ وهل ستظل أقفية الشعب الفلسطيني عرضة لشلاليطهم أولاد (هالشلِّيتة)؟ على رأي ناجي العلي... أرجو ألاّ.