قواعد إسلامية ثلاث في محاربة الإشاعة

نشر 06 مايو 2010 | 09:08

بقلم: مصطفى الصواف

 

الإسلام عالج الإشاعة بشكل فاعل وجذري، ووضع قواعد ذهبية لمواجهتها لو أحسنا اتباعها وتعليمها للمجتمع لأمكن لنا أن نقضي على الإشاعة في مهدها ، ونكون مجتمعاً محصناً من الاختراق أو التأثر بالإشاعة أو ترويجها أو التعاطي معها، هذه القواعد يجب الاعتماد عليها، ونحن نرسم خططاً لمواجهة الإشاعات والحرب النفسية، التي بدأت تشغل مساحة من اهتمامات الناس، شكلت لها اللجان والخبراء والعلماء من الأعداء والمرجفين في الأرض لإغراق قطاع غزة فيها .

 

والقرآن الكريم رسم طريقاً واضحاً للمسلمين في مقاومة الإشاعة عندما وقعت حادثة الإفك ، هذه الطريق لو سلكناها لخسر المنافقون والأعداء جهدهم، وفزنا بمزيد من تماسك الصف، وهذه الطريق صالحة في كل زمان ومكان،وتدرس حتى الآن في كثير من المحافل الدولية، عند الحديث في القواعد المتبعة لمواجهة الإشاعة.

 

ويمكن الحديث هنا عن ثلاث قواعد لمواجهة الإشاعة مستقاة من كتاب الله وسنة نبينا 'صلى الله عليه وسلم'، وأول هذه القواعد 'التثبت' ، أي بالعودة إلى المصدر قبل الخوض في الحديث، ومن ذلك قوله تعالى:'إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم، وتحسبونه هنياً وهو عند الله عظيم، لولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم، يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين'(سورة النور آية15-17).

 

وهذا أول أسلوب من أساليب الوقاية من الإشاعات وقطع دابرها في المهد، وهو البحث عن مصدر القول ورده إلى أهله، وإلا فإن عدم التثبت من الحديث يندرج تحت جريمة الكذب، والله سبحانه سَمى صاحب الخبر الكاذب فاسقًا، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (سورة الحجرات: 6)، وهذه الآية فيها قاعدة أساسية مطلوب أن تدرك من قبل الناس وهو التثبت والتبين، ومن أساليب التثبُّت ، الرجوع إلى جِهة الاختصاص لمعرفة الحق والصحيح في الأخبار الشائعة، وعلى المختصين بيان ذلك، قال تعالى عن المنافقين الذين كانوا يتلقوْن أخبار السرايا ويشيعونها قبل أن يتحدث عنها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو جِهة الاختصاص: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِه وَلَوْ رَدُّوه إِلَى الرَّسولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَه الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَه مِنْهُمْ) (سورة النساء)، فلا يعقل أن نعيد ما نسمع من قول دون أن نتبين صدقه من كذبه من قبل مصادره، أي على المواطن أن يرد هذه المعلومات إلى المسؤولين للتحقق منها ويتلقى منهم القول القاطع.

 

وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه ( بئس مطية الرجل زعموا) والأصل في 'زعم' أنها تُقال في الأمر الذي لا يُوقف على حقيقته، والزعم هو القول الذي لا يملك صاحبه له إثباتاً.

 

والقاعدة الثانية، عدم اتباع الظن فهو من سمات الكافرين، وتصديق الإشاعة هو اتباع للظن ، قال تعالى: (وَمَا لَهُمْ بِه مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) (سورة النجم : 28) ،وقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) (سورة الحجرات : 12(، والظن لا يمت للحقيقة بصلة وهو نوع من الخيال المريض نابع إما من نفس مريضة أو من إنسان بلغ فيه الكره درجة من الحقد الشديد، وهو اتباع للهوى، دون مستند من فعل أو قول.

 

والقاعدة الثالثة عدم ترديد الإشاعة وحصرها في أضيق الحدود حتى تقتل في مهدها، ويساعد على ذلك: المُبادرة بحُسْن الظن، والتنزه عن نقل الباطل، قال تعالى في حادث الإفك (وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوه قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنْا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيم) (سورة النور : 16) وفي الحديث 'كفى بالمَرء إثمًا أن يُحَدِّث بكل ما سَمِعَ' رواه مسلم، والخوف من إشاعة الفاحشة (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيع الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ) (سورة النور19 ).

 

هذه قواعد ثلاث لو اتبعناها في حياتنا وعلمناها لمن حولنا نقي فيها أنفسنا ومجتمعنا خطر الإشاعة التي يهدف من خلالها الأعداء والمتربصون إلى زعزعة الثقة بالنفس وبالآخرين، والتأثير على البنيان الاجتماعي ، ونشر الخوف والرعب وعدم الثقة حتى يؤدي ذلك إلى انهيار المجتمع فيسهل أمر السيطرة عليه من قبل الأعداء.